يبدو أن السودان سيخرج أخيراً من دائرة الصراع والعنف الجهنمية التي تمزّق الجسد الواحد بين شماله وجنوبه باتفاق نيروبي الذي أكده الجانبان أمس على لسان المصادر الرسمية، وإذاعة «أم درمان» والمصادر المسئولة لمتمردي الجيش الشعبي لتحرير السودان الذي يقوده جون قرنق. والمتابع لخريطة السودان السياسية وانعكاساتها الاقتصادية يُدرك تماماً مدى الحاجة لمثل هذا الاتفاق الذي قد يُنهي استنزاف دماء أبناء الوطن الواحد والذي شهد مقتل نحو مليون ونصف المليون وتشريد حوالي أربعة ملايين آخرين على الأقل منذ أن احتدمت المعارك الفعلية ـ بتحريض ودفع مؤامرات خارجية طامعة في السودان ـ بين الخرطوم والجيش الشعبي منذ 1983 وما قبل ذلك أيضاً عندما بدأ الرئيس السابق جعفر النميري تطبيق الشريعة الإسلامية وهو ما رفضه الجنوب ذو الغالبية المسيحية وتفاقمت جذوة الصراع مع ازدياد الأطماع الاقتصادية الخارجية بالإضافة إلى حرص بعض القوى الأجنبية وأيادي دولة الاحتلال الإسرائيلية على إثارة القلاقل وعدم الاستقرار في العمق الأفريقي للدول العربية خاصة السودان ومصر. وإذا كانت مجموعة «الايغاد» قد نجحت أخيراً، وبعد تسعة أعوام تقريباً من الجدل المحتدم بين الحكومة السودانية من جهة وفصائل المعارضة التي تبحث عن دورها من جهة أخرى واتجاه الحكومة لاحتوائها وبين الجيش الشعبي الذي ظل يلعب سياسياً بدعم خارجي هائل للحصول على أكبر قدر من الامتيازات لصالح الجنوب. ولعل إعلان الرئيس الكيني نجاح المؤتمر في عاصمة بلاده نيروبي باشتراك أعضاء مجموعة (الإيغاد) التي تضم جيبوتي وإريتريا وإثيوبيا وكينيا والسودان وأوغندا والصومال يأتي ثمرة لجهود حثيثة أدركتها مؤخراً كل من الولايات المتحدة والأمم المتحدة بأهداف مستجدة أوجدتها أحداث 11 سبتمبر وربما تتكشف أبعادها في المستقبل القريب. وما يدلل على ذلك هو الاختراق والانتهاك المتكرر من جانب الجيش الشعبي لاتفاقات وقف إطلاق النار خاصة الأخير بجبال النوبة (وسط) تحت ذرائع وهمية ضد حكومة الخرطوم. وإطار الاتفاق الجديد حسبما وصفوه تضمن حق تقرير المصير للجنوبيين من خلال استفتاء يجري لأهالي الجنوب يحدد ما إذا كان المواطنون يرغبون في الانفصال عن الشمال أم لا؟ على أن يتم الاستفتاء المعني خلال ستة أعوام من الآن. وإذا كان السودانيون يجمعون على صعوبة الانفصال وتمزيق الروابط وهو ما يؤكده تزايد هجرة ورحيل الجنوبيين إلى العاصمة الخرطوم وتعايشهم الآمن اليومي دون قلاقل، فإنه أيضاً تزيد الاتفاقية من الحرص على تدعيم وحدة السودان نحو المستقبل وشدّ السواعد للبناء والتنمية وتوديع الجدل والصراع والكلام الساكت!!