يعاني العالم العربي من ظاهرة خطيرة جدا تتمثل في «العقم» السياسي والابداعي الذي يشل قدرته ويجعله عاجزا عن طرح واطلاق المفاهيم والمصطلحات والافكار الجديدة التي تعبر عن واقعه وقضاياه، ومن ثم يصبح هدفا سهلا وارضا خصبة ومؤهلة لاستيعاب كل ما يطرحه «الآخر» حتى لو كان ذلك ضاراً. وازدادت هذه الظاهرة انتشارا خلال السنوات الاخيرة، واضحى كل ما يتمخض عن كاتب او مثقف او دولة غربية، من اطروحات ونظريات، بعضها قد يكون هزليا بلا قيمة، والآخر لا يناسب بيئتنا وثقافتنا وتراثنا، محور اهتمامنا في العالم العربي، ومحل دراسة من قبل الباحثين العرب. واتضح ذلك جليا عندما اخرج صموئيل هنتنجتون نظريته عن «صراع الحضارات» اذ تلقاها الباحثون العرب بكثير من العناية والاهتمام، واضحت قاسما مشتركا في اجندة اهتمامات كافة التيارات السياسية والفكرية لوقت طويل. ايضا عندما وقعت احداث الحادي عشر من سبتمبر الماضي في الولايات المتحدة ردد المسئولون الاميركيون اصطلاح «الارهاب» لتوصيف كل عمل عنيف ومسلح بغض النظر عن دوافعه ومحركاته، وما كان منا نحن العرب الا ان رددنا هذه الكلمة دون ان نحاول ان نضع تعريفا لها، بحيث يفرق بين الارهاب والمقاومة المشروعة للمحتل، وهو ما اضر كثيرا بقضيتنا في فلسطين. جاء بعد ذلك اصطلاح «العمليات الانتحارية» التي حاولت بعض الدول والدوائر المشبوهة في الغرب توصيف العمليات الاستشهادية به، كمحاولة لافقاد هذا النوع السامي من الجهاد والمقاومة اسمى درجاته منزلة في الدين الاسلامي، وللأسف انضم الى الركب بعض علماء الدين الاسلامي الذين لم يدخروا «فتاوى» لتحريم ما اسموه بـ «ضرب المدنيين» الاسرائيليين. وكأن هؤلاء اليهود الذين يستعمرون ارض فلسطين ليسوا بغزاة محتلين. لم يتوقف الامر عند هذا الحد، بل اصبحنا نردد ما يقوله عدونا الصهيوني، مثل «الببغاوات» اذ ننادي بوقف العنف ـ كما يقول ـ ونحن لا ندري ان ذلك معناه الحقيقي اجهاض ووأد المقاومة وجعل الشعب الفلسطيني يركع لجلاده، ايضا نردد اصطلاح «اصلاح السلطة» الذي كان اول من اطلقه ارييل شارون السفاح الارهابي، وكأن كل مشكلة فلسطين تتمثل في فساد بعض اطراف من السلطة الوطنية، وليس الاحتلال الصهيوني للارض العربية. واخيرا نزل الى الاسواق العربية اصطلاح جديد نتوقع ان يكون له نصيب وحظ وافر من الانتشار، مثله مثل غيره من المصطلحات التي سبقته او التي ستليه في المستقبل القريب. الاصطلاح هو «تجفيف عرفات» واطلقه موشيه يعالون رئيس اركان حرب اسرائيل الجديد، والذي كان من ضمن مؤهلاته لتولي هذا المنصب انه قاتل الشهيد ابو جهاد مهندس الانتفاضة الاولى في تونس، ويقصد بهذا الاصطلاح ان يترك «الرئيس الفلسطيني يضمر وتتآكل شعبيته وينتهي وحيدا» دون ان تتدخل اسرائيل مباشرة في ابعاده او اسقاطه بالقوة. ونعتقد ان «تجفيف عرفات» والذي قد يمتد الى تجفيف بعض الرؤساء العرب الذين ليسوا على هوى سياسة واشنطن وربيبها الكيان الصهيوني، سيكون مدعوما اميركيا، اذ ستتولى ماكينة الدعاية الاميركية، سواء من جانب المسئولين في الادارة او وسائل الاعلام التي يسيطر عليها اليهود، تسويقه الى مختلف دول العالم العربي، التي ستردده كالمعتاد دون ان تدقق فيه وتتفحص اهدافه ودوافعه وآثاره المستقبلية. ان هناك خطورة كبيرة تكمن وراء هذا الاصطلاح لانه يعني بشكل مباشر اسقاط الرؤساء العرب او غير العرب، ممن يغردون خارج السرب، ويعزفون لحنا مختلفا عن سيمفونية الخضوع للقوة العظمى وطفلتها المدللة في المنطقة. فعلينا جميعا ان نحتاط ازاء هذا الاصطلاح وغيره من الاطروحات التي يحاول اعداء الامة العربية تسويقها الينا لتصبح جزءا من ثقافتنا وافكارنا، دون ان ندري انها فخ عميق اذا وقعنا فيه فلن نخرج منه ابدا.