عندما يأتي الحظ مهرولا فاتحا ذراعيه ليضمك بكل قوة ويدخلك في نادي المحظوظين فلا تتردد لمعانقته حتى لو كان ذلك على حساب ما تعتقده او ما يعتقده الاخرون نحسا... عموما كثيرون هم من يلعبون بساعات الحظ وكثيرون كذلك من يعتقدون بها ويعاملونها بحساسية مفرطة، والفرق بين التعامل بساعة الحظ والاعتقاد بها دقيق جدا، فالمتعامل بها يركز على الجانب النفسي، اما المعتقد بها والخاضع لها فهو فريسة سهلة بالامكان التلاعب به كيفما شاء ومتى شاء. وبين هذا وذاك تكبر الخطوة وتتسع ويصبح الاسقاط اشارة واضحة للدلالة على ما يريد المتلاعبون بساعات الحظ، واوقات النحس والتعاسة، ومع اتساع الخطوة يتعملق اشخاص بعينهم ويصيبون الحظ والنحس مصادفة احيانا او عن دراية وحدس احيانا اخرى، فتدخل الفراسة في جوانب كثيرة من التدليل بورقة الحظ، ويدخل الدجل في المتبقي منها. والذي اثارني لاقتفاء آثار الحظ والنحس هو ذاك التدافع الذي يشهده العالم اليوم نحو العرافين حيث لا يقتصر ذلك على شعوب فقيرة تحاول ان تهرب من قدرها بالتشبث بأوراق الحظ، بل تعداه الى شعوب قادرة متعلمة وبرجماتية في التفكير والتعامل اليومي، بل ان افكار قراءات الحظ اخذت صورا اخرى اكثر اثارة، فلما يعد الحظ مقترنا بقراءة الكف او وشوشة الودع، او التعامل مع ورق اللعب او حتى الشكل الذي يعتمد على قراءة الافكار، انما اصبح التعامل بشكل مختلف جدا بعيدا عن الطقوس المعتادة عند الشعوب المختلفة كالهنود والفراعنة والهنود الحمر والصينيين والافارقة وغيرهم. يرى علماء النفس ان مثل تلك الظواهر انما تحدث نتيجة لحالات تحول في سلوك افراد المجتمعات المختلفة ومردها الخوف من المستقبل، او الخوف الداخلي الذي يعيشه الانسان من المجهول، ولا يختلف في ذلك شعب عن اخر، فالغني والفقير في ذلك يتساويان، وهذا الان ينعكس بصورة واضحة في المجتمع الاسرائيلي حيث تنتشر بين فئة الشباب ظاهرة جديدة هي وشم الجسم برسومات يعتقدون انها ستجلب لهم الحظ وتمنع تعرضهم الى الخطر اذا ما كانوا عرضة للعمليات الفلسطينية. وقال صاحب استديو يقوم بعمليات الوشم بأن الاشهر الاخيرة شهدت تدفقا من الشباب عليه طالبين وشم اجسادهم برسومات تحميهم من الخطر، حيث يتحدث هؤلاء عن الحظ الذي يتمنونه لانفسهم معللين ان رسومات الوشم ربما تمنحهم الحظ وتحفظهم من الموت!! ويبدو انه عندما قيل قديما ان للناس فيما يعشقون مذاهب، وان رزق الهبل على المجانين، يبدو ان تلك الاقوال كانت عن دراية وتجربة بأحوال الناس وافعالهم، وخير شاهد على ذلك ما يحدث في المانيا الان، فموضوع الساعة هناك كما ذكرته وكالة الانباء الالمانية هو قصة عراف ضرير يقرأ الطالع من الخلف عن طريق التحسس بدلا من الكف، وجذبت القصة اهتمام الالمان اكثر مما جذبتهم قصص سقوط الطائرات والقضايا الاقتصادية وارتفاع سعر اليورو وحملة الانتخابات الساخنة. وتسترسل الوكالة بأنه لم يعد المستشار الالماني جيرهارد شرويدر ومنافسه ادموند شتويبر يأملان ان تحظى خطبهما في حملة الانتخابات بكل اهتمام وسائل الاعلام لان ما يفوقهما في الاهمية هو صور الضرير اولف بوك الجالس على مقعد بلا ظهر ولا مسندين وهو يتحسس مؤخرة احد الزبائن المستكينين هامساً بنبرة مثيرة.. خط الحب لديك طويل جدا! ويؤكد العراف الضرير على ان الناس الذين يملكون هذه القدرة تلهيهم الحياة من حولهم «وعيناي لا تريان هذا اللهو، وهذا يتيح لي استشفاف رؤى رائعة، وما أملكه هو نفاذ بصيرة بكل معنى الكلمة». ويشير بوك صاحب القراءة من الخلف التي اثارت الرأي العام الى ان خطوط المؤخرة اقوى بكثير من خطوط الكف ويستطيع من خلالها استكشاف شخصيات عملائه واستشفاف مستقبل حياتهم من حيث خطوط الثروة والسعادة والصحة والنجاح، فهي كما يؤكد ليست تعرجات في صميم تشريح الجسم بقدر ما هي خطوط تحمل طاقة خارقة للعادة. عموما عزيزي القاريء هل تعتقد بساعات الحظ وتوابعه وايام النحس وثوانيه؟ ان كنت ممن يعتقدون بذلك او يسخرون من ذلك نقول: ألم تمر عليك ساعات حظ ضرب فيها دولابه تفاصيل يومك السعيد؟ ومثلها ألم يعاندك الحظ ويقلب عليك وجهه يوما ويجعلك ترمي ما تحمله يداك وجه الفضاء الرحب اسفاً وندماً؟ يبدو اننا جميعا مررنا بساعات الصفاء والحظ والعناد والنحس لان ذلك من طبيعة الحياة الممتدة بحلاوتها ومرارتها، واقبالها عليك وادبارها عنك، وقد عرفت البشرية على امتداد حضاراتها المتعاقبة اللعب بأوراق الحظ المتساقطة وجانبها التوفيق في ذلك بفضل نعمة الحدس التي حباها الله سبحانه وتعالى لبعض من عباده، حيث تزخر اوراق التاريخ بروايات وحوادث كثيرة ومتعددة أودعها العرب في باب القيافة وهي على ضربين قيافة البشر وقيافة الأثر، فأما الاول فالاستدلال بصفات اعضاء الانسان وتختص بقوم من العرب يقال لهم بنو مدلج، وبالنسبة للثاني فالاستدلال بالاقدام والحوار والخفاف وقد فطن لها العرب وخبروها وفهموها واتقنوها جيدا حتى ايامنا هذه. المثير في الحظ والنحس هو تواصل المعتقدات القديمة في زمن يتحدث بلغة التكنولوجيا وثورة المعلومات واستيطان القمر، ففي الوقت الذي يتحدث فيه الاميركيون عن نزهات الفضاء والروبوت والواقع الافتراضي نجدهم يطبقون معتقدات وخرافات عجيبة، فمثلا اذا شعر شخص ما بأن عنكبوتا يزحف ببطء فوق رأسه فإن ذلك حسب رواياتهم يجلب الحظ والسعادة والثروة، واذا دخلت قطة سوداء الى منزل ما فعلى صاحبه الا يطردها لان بقاءها داخل المنزل يجلب له الحظ والسعادة عكس الانجليز الذين يتشاءمون منها ويصبح يومهم نحسا. مشكلتي انني سمعت كلام الاميركان فتركت باب الدار مفتوحا لعلي اجد الحظ من خلال القطط الزائرة، ولكنني حتى اليوم لم اتحصل الا على صدعة الرأس، فقطط الفريج كلها في بيتي والحظ في بيت الجيران!! ورغم ذلك أحمد الله لأنني لم أسمع كلام الألمان!!