في ليلة زفتها، وقبل أن تهم العروس في الدخول الى صالة المعازيم، تم اطفاء جميع الانوار، وانتظر الحضور خروج العروس اليهم على أنغام الموسيقى، ولكن المفاجأة غير المتوقعة، والتي وقعت كالصاعقة على قلب كل من حضر الحفل هي تعالي أصوات الصياح والنواح، وخروج أربع سيدات يرتدين ثيابا سوداء ويحملن فوق رؤوسهن تابوتا وقد استلقت العروس بداخله.. وما ان وصلوا الى «الكوشة» اذ بالزوج يدخل ويقوم بتقبيل الزوجة التي تعود الى الحياة بمجرد وصول القبلة، ثم تقوم وتجلس بجانب زوجها لتبدأ بعدها أصوات الموسيقى والفرح!! هذا الموقف لم يكن فيلما سينمائيا، ولكن هذا ما توصل اليه المخ البشري العجيب ليكون الموقف مظهرا متميزا من مظاهر حفل الزفاف .. الزفة بهذا الأسلوب وغيره هي احد ملامح الاعراس في زمننا الحالي، فالمسألة لم تعد تقتصر على فستان أبيض و«بشت» أسود و«عليك سعيد ومبارك .. ولا اله الا الله»، ثم يجلس الزوجان لتقبل التهاني من الاقارب والحضور والتقاط الصور التذكارية، لقد تغيرت المفاهيم وأصبح البعض يضع نصب عينيه هدفا رئيسيا هو ابتداع حركات جديدة ومواقف مميزة أثناء «زفة» العروس ليتحاكى بها الناس أسابيع وشهورا عديدة، ولا يهم بذل أي شيء في سبيل ذلك.. ومع تسارع وتيرة هذه الظاهرة لن نستغرب أبدا اذا تلقينا في المستقبل القريب بطاقة دعوة مدوناً أسفلها عبارة تقول : فقرة الزفة من تأليف فلان الفلاني واخراج فلان الفلاني.. كما لن نستغرب الاستعانة بأشهر كتاب السيناريوهات أمثال محفوظ عبدالرحمن ومحسن زايد ومصطفى محرم لكتابة قصة مميزة لفقرة «الزفة» والاهم من ذلك اسنادها الى مخرج فيديو كليب مشهور لاخراجها بالشكل الملائم واللائق!! وأعتقد أن اللجوء الى هؤلاء الكتاب المشاهير لن يستغرق وقتا طويلا، خاصة أن القصص الشهيرة قد تم تنفيذ معظمها في الافراح، لذا فان ازواج المستقبل لن يجدوا أمامهم قصصا متاحة تصلح أن تنفذ على أرض الفرح مما قد يضطرهم الى اللجوء الى الكتاب والمخرجين لتنفيذ زفات مبتكرة واضافة تكاليفها الى تكاليف الزواج.. وعلى سبيل المثال فقد تم في احدى الحفلات ترجمة قصة «سندريلا»، حيث تدخل العروس الى منتصف الصالة، وعند وصولها الى مكان معين تتجه الانوار الى الساعة التي تشير عقاربها الى الثانية عشرة تماما، بعدها تركض العروس عائدة الى غرفتها بعد أن ترمي بفردة حذائها.. لتعود بعد ذلك الى الصالة وسط عربة من العربات الملكية!! وفي فيلم آخر.. عفوا أقصد في حفل آخر كانت البطولة للسندباد حيث أقيم الحفل في موقع مخصص على شاطئ البحر، وأتت العروس في مركب خاص الى حيث الكوشة والمعازيم.. كما اختار أحدهم تجسيد ألف ليلة وليلة وتم احضار العروس على هودج الى منتصف القاعة التي تحولت بديكوراتها الى قصر قديم من القصور الملكية التي نراها في افلام كارتون علي بابا!! غريبة هذه الظواهر فكلما اتجهت الدولة الى التخفيف عن كاهل الشباب، ومحاولة نشر الوعي الاجتماعي المتعلق بمخاطر المغالاة في مظاهر الاحتفال بالزواج خرجت بعض المواقف والمتطلبات التي تزيد الطين بلة.. قد يتساءل البعض: وما الخطأ في ذلك.. من يستطيع يفعل مايشاء؟ ونحن لن نختلف معهم لان «المال يتكلم» كما يقول الاميركان، ولكن الخطورة في تحول مثل هذه الاشياء الى ظاهرة عندها ستصبح مطلبا رئيسيا وركنا أساسيا لن ترضى أي «بنت» بأقل منه، وعندئذ سينتشر الضرر على الجميع.. لقد كان فستان الزواج والعقود الالماس والكوشة و«التفنن» في بطاقات الافراح في يوم من الايام مظاهر تكميلية في الاعراس، وكانت مقتصره على شريحة بسيطة، لكنها اليوم اصبحت ركنا أساسيا في كل زواج.. اذن الزفة على طريقة الفيديو كليب ستصبح في يوم من الايام شرطا رئيسيا لو استمر الوضع على ما هو عليه!! وما دام الامر وصل الى التمثيل في الاعراس والبطولة للزوج والزوجة، فانني أهدي من يرغب مشهدا جميلا يصلح أن يكون زفة يتحدث عنها الجميع.. ببساطة تكون الكوشة على هيئة كوخ لانسان العصر البدائي ويدخل الزوج مرتديا زيا بدائيا شبيهاً بزي «فلينستون» وهو يجر العروس من شعرها، وعند انتهاء العرس تخرج العروس جارة زوجها من شعره تماما مثل الاعلان الشهير لاحد الشامبوهات المقوية للشعر!!