الاعلان فن تطور كثيرا وصار حقلا فسيحا للاستثمار، واصبح المعلنون اثرياء لانهم تفننوا في تقديم الاعلان للمستهلك، ويمكن لاعلان جيد ان يبيع بضاعة رديئة ويثري صاحبها ثراء فاحشا. ليس المقصود بالاعلان هو تلك السلع البائرة فقط، بل هناك اعلانات لا يمكن ان تجيء في بال او تخطر على مخيلة ويمكن ان تأتي تحت بند متفرقات حين يبحث اعزب عن شريك غير مدخن ليناصفه الغرفة وحبذا لو كان لديه اهتمامات مطبخية كأن يجيد الطهي او غسل الاطباق وكي الثياب، ومناصفة الغرفة لا تعني شراكة تامة بل يعني مجرد سرير وخزانة وبعض القراقيع المقبولة التي يمكن رميها على الشرفة لتشويها الشمس شيا اسطوريا لا تفيد معه عمليات التنظيف او اعادة التأهيل لمعاودة الاستعمال، وهذا الاعلان لايعني كثيرا امام اعلان يبحث عن شريك محب للشيشة ويجيد طريقة اعدادها، وبكل الاحوال هذا النموذج من الاعلانات فيه خدعة ظاهرة حيث ان المعلن يريد خادما وليس شريكا ولكنه لا يقول ذلك صراحة! كما ان الاعلان ليس عن طريق الصحف دائما اذ تكثر في بعض اماكن التجمعات قصاصات اعلانية معلقة على لوح جانبي كما هو الحال في المتاجر الكبيرة التي يتسوق فيها الناس حيث تريد سيدة المنزل التخلص من مكنستها الكهربائية او من كرسي عملاق تضيق به صالة الشقة فتعلن عن رغبتها ببيع هذه الخردة لمن يرغب وهو على العموم افضل من رميها خارجا، وكثيرا ما تكون تلك الالواح الاعلانية مليئة بهذا النمط من الاشياء التي يرغب اصحابها ببيعها فالسيارات اولا ثم الاثاث المنزلي ثانيا وبعدها هناك متفرقات عامة كعصفور كناري مستورد خصيصا من جزر الكناري ليسلي صاحبه بالتغريد صباحا او بغبغاء يجيد الترحيب بالضيوف بعدة لغات، ولا يخلو الامر من ديك فروخي مضبوط صياحه بيولوجيا ليوقظ سكان المنزل عند الخامسة صباحا، او من كلب أليف يحفظ الود ويصون العهد ويحمي العرض! وعلى ذكر هذا الوفي فقد اضاع رجل كلبه خلال نزهة على الشاطيء، فامضى عدة ساعات يبحث عنه دون جدوى، ولما كانت علاقة الرجل بالكلب علاقة استثنائية فقد توجه الى احدى الصحف لينشر اعلانا عن مواصفات الكلب الضائع وتخصيص جائزة لمن يجده فسأله الموظف عن مدة الاعلان فأجاب الرجل المفجوع بضياع كلبه «حتى نجد بوبي»، ثم دفع مقدما مبلغا على الحساب وارفقه برقم هاتفه، لكنه جاء في اليوم التالي طالبا من الموظف ان يوقف نشر الاعلان فقال له الموظف «مبروك هل وجدت بوبي» فأجاب الرجل بحرقة شديدة «لا.. لم اجده ولكن هاتفي لم يتوقف عن الرنين طيلة اليوم وعندما ارفع السماعة قائلا ألو، اسمع اشخاصا يعوون على طول الخط ويهزأون بي قائلين كيف حالك يا ابو بوبي حتى ان احدهم عرض علي ان يصطاد لي كلبا زقاقيا مقابل نصف المكافأة وثالث ادعى انه من جمعية الرفق بالحيوان وسيقاضيني لاني لا اجيد العناية بالكلاب، ناهيك عن مقلدي اصوات الهررة او الذئاب الذين واظبوا على مضايقتي طيلة الليل والنهار، ارجوك اوقف نشر هذا الاعلان». وقصة هذا الرجل واحدة من طرائف قصص الاعلان التي تشكل طريقة تقديمها مزاجا يعكس اساليب العيش والتفكير لبعض المجتمعات وهنا تجدر الاشارة انه في بداية عهد الصحافة عربيا كان بعض الاطباء يلجأون للاعلان عن خدماتهم بطريقة لا تخلو من طرافة تصل الى حدود السذاجة ومثال ذلك طبيب اسنان نشر اعلانا يقول فيه «نخلع ضرسك، نسلك اسنانك، نطري لثتك، لتصبح ابتسامتك مثل الفل مقابل عشرة دراهم.. الخدمات مكفولة والمراجعات مجانية لمدة شهر» وهو ليس احسن حالا من اعلان طبيب العيون الذي استهل اعلانه بجملة «نظرك تمام مع الدكتور عبدالسلام». لكن مع تطور اساليب الاعلان لم تتطور رغبة المعلن في التخلص من اشياء لا تعود بالفائدة عليه، فمع انتشار موضة بيع فساتين الافراح او تأجيرها، لانها لا تستعمل سوى مرة واحدة فقد نشرت سيدة اعلانا تقول فيه «للبيع ثياب افرنجية لسيدة حامل في الشهر الخامس، استعمال خفيف ونظيف». وقبل ان نسأل من سيشتري ثياب الحامل، يجب الاقرار ان قراء الاعلان ليسوا من محبي الشراء، انهم مجرد قراء لان الاعلانات التي على هذه الشاكلة تسلي وتنقل اخبار الناس لبعضها البعض فتضفي على حياتهم بعض المرح وبعدها يفكرون في بيع ما سئموا من منظره وعيونهم تجول في الاركان بحثا عن غرض لا يستحق البقاء في بيوتهم.