«اجتاحني خوف لا يوصف من وجودي في عالم من الظلام الدامس وانا تحت وطأة النظارة السوداء وانعدام السمع الذي افقدني الاحساس بالعالم. كدت اموت من الاختناق وانا ارتدي الكمامة ذات الرائحة الكريهة.. لم اكن استطيع الكلام او الشم او السمع او اللمس او الابصار. لقد فقدت الاحساس بالاتجاهات وشجعتني رهبة المكان المغلق والمليء بالرعب وعجزت حتى عن تحسس اطرافي المكبلة والمشلولة او تلمس مكاني في هذه الظلمة الغامرة. سرعان ما اجتاحتني موجات من الالم الجسدي والنفسي التي لا تطاق.. احسست بالدموع في عيني وقطرات العرق تتصبب وتتجمع عند حاجبي. تعطلت جوارحي كلها وشهقت يائسا وحاولت التنفس من انفي واوحيت لنفسي بانني ينبغي الا اصاب بالذعر. كل ما تسرب الى حاسة الشم لدي كان رائحة الكمامة.. كانت فظيعة تثير الغثيان ادركت ان انيني وزفرات عذابي لم يسمعها احد لقد أحسست بأشياء لا مثيل لرعبها.. فلا علم لي بالزمن ولا الاتجاهات ولا العالم الخارجي. خضت هذه التجربة المروعة لستين دقيقة فحسب.. فكانت هذه الساعة القصيرة صدمة العمر وكأنها الدهر لقسوتها، الا ان هناك فرقا جوهريا، فأنا على الاقل كنت متيقنا بانني سأرمي بثياب الاسر وانطلق الى فردوس حريتي من جديد خلافا لاولئك الذين يراد قتل الامل فيهم وبعث روح اليأس عبر قتل الحواس الخمس وسلب كل قرينة تدل على انهم بشر». كانت الكلمات السابقة تعبيرا عن تجربة حقيقية خاضها الصحفي البريطاني ستيفن مويس ونشر تقريرا عنها في صحيفة «الديلي ميرور» اللندنية قبل اسابيع طويلة. غير ان اي شيء لم يعد يملك القدرة على تحريك الضمير الانساني وتذكيره بمأساة معتقلي غوانتانامو التي يندى لها جبين البشرية. هذا الضمير اصبح انتقائيا في حساسيته اما ضميرنا الانساني في العالم العربي فقد اصبح سجينا لثقافة الخوف وثقافة الضعف.. ننافق واشنطن ونسترضيها على حساب الحقيقة وعلى حساب الانسانية المجردة. لنتصور قليلا ان الوضع معكوس وان غوانتانامو مكان يعتقل فيه عدو لاميركا اسرى اميركان.. ترى هل كان ذلك العالم المرائي يصمت هذا الصمت تجاه معتقل واحد. ما يجري في غوانتانامو يمثل قبرا يحفره الطغيان الاميركي لنفسه بأظافره.. فالارض التي تقع تحت السطوة الاميركية «للطوفان مشتاقة» كما صرخ ابو العلاء المعري ذات يوم. لا احد وقف في وجه الحرب العبثية التي اسروا خلالها واستهدفت اناسا «يموتون جوعا في انتظار من يقتلهم» كما وصفت الروائية الهندية ارونداتى روى حال الافغان.. الاميركان يعرفون خطاياهم.. ففي مقدمة بيان المثقفين الاميركيين يقول هؤلاء «نعترف ان امتنا في بعض الاحيان قد تصرفت بالاستكبار والجهل تجاه مجتمعات اخرى وفي بعض الاحيان مارست سياسات مضللة وغير عادلة.. ونحن كأمة فشلنا في احيان اكثر مما ينبغي في التعايش مع قيمنا». الحقيقة ان اميركا تصرفت كذلك في كل الاحيان استنادا الى مثل انجليزي يقول «الكبير على حق دائما». اين منظمات حقوق الانسان العالمية التي تملأ الدنيا ضجيجا حينما تتحول فتاة مسيحية في مصر بكامل رغبتها من المسيحية الى الاسلام او حينما يلعب اطفال بالكرة في الشارع فيكسرون نافذة منزل يتصادف ان يكون صاحبه قبطيا.. اين هؤلاء من الممارسات التي ترتكبها اميركا ليل نهار بحق الانسانية. ليس من المطلوب ان يتلذذ مثقفو العالم الثالث بشتم الغرب صباح مساء وتحميله كل مسئولية التخلف والضياع على حد تعبير ادوارد سعيد.. فرطانة اللوم هذه تمثل ثقافة عاجزة لا تنتج عملا.. بل توفر ذرائع للقيود.. وذرائع للاتكاء على وسائد الراحة. مطلوب منا ان نفكر مليا في كيفية الخروج من هذا النفق الانساني في المقام الاول محافظين على بعض انسانيتنا.. ليس من المعقول ان يظل عشرات الالاف من مثقفينا على امتداد العالم العربي.. اولئك الذين يصدعون ادمغتنا ليل نهار بعبقريتهم.. بينما هم عاجزون عن فعل اي شيء.. تجاه اوطانهم وتجاه الثقافة الانسانية. كان بعضهم يتفلسف امام كاميرات الفضائيات عن وجوب منع العمليات الاستشهادية واعتبارها نوعا من انتحار اليائسين.. وكأن الشباب الذين يذهبون لتنفيذها مهووسون بغرام فتاة مراهقة فاذا اخلفت لهم موعدا رموا انفسهم في النيل. هؤلاء المتفلسفون كانوا في الحقيقة يبحثون عن ذرائع للسفاح شارون فيما كان غابرييل غارسيا ماركيز يصرخ في البرية.. وحيدا.. لاعنا جائزة نوبل التي حصل عليها.. وشاركه في نيل فرعها السياسي مناحيم بيجن وشيمون بيريز.. واعتبرها ماركيز اذنا دوليا بالقتل لاسرائيل. فردية هي المبادرات.. الى حد قاتل وقليلة الى حد الانعدام.. عدلي رزق الله الفنان التشكيلي المصري الشهير ينوي ان يكسر حاجز الصمت ليطبع صور الاستشهاديات على تي شيرت.. عدلي فنان ومثقف عضوي بتعبير جرامشي.. ليتني حبر يستطيع به عدلي ان يطبع به لو صورة واحدة لواحدة من اولئك اللواتي عطرن حياتنا بدمائهن وداروا عجزنا بأرواحهن. سخرية (Shoot The Dog) اطلقوا على الكلب اغنية جديدة للمغني البريطاني القبرصي الاصل اثارت جدلا عميقا.. الاغنية تسخر من جورج بوش الابن ـ المتهم على نطاق واسع بالغباء ـ كما تشبه توني بلير بكلب الرئيس الاميركي المدلل اللعوق. ليست المرة الاولى التي يتم فيها تشبيه سياسي بريطاني كبير بهذا الشكل.. فجورج جالوي النائب في مجلس العموم شبه افعال توني بلير مع جورج بوش الابن بأنها مثل افعال مونيكا لوينسكي مع بيل كلينتون! وفي السنوات السابقة شبه برنامج ((Spitting image صورة طبق الاصل وهو برنامج ساخر، شبه رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارجريت تاتشر بكلب مدلل للرئيس الاسبق رونالد ريجان. ساعتها ردت تاتشر بالقول «لو كنت كلبة فلست من كلاب الزينة الصغيرة بودل ( (Poodle بل انا كلبة شرسة من نوع بولدوج ((Bulldog ترى ماذا كان بوسع جورج مايكل ان يقول لو جاء الى عواصمنا العربية او رانا هناك في واشنطن وغوانتانامو.. ورأى كيف تعاملنا الامبراطورية الاميركية كأننا كلاب ضالة. تصحيح في استراحة الجمعة الماضية نسبت خطأ اغنية «الخط ده خطي» لوالد الشعراء فؤاد حداد.. والصحيح انها للفاجومي احمد فؤاد نجم.. هناك اغان شدا بها الشيخ امام من الحان فؤاد حداد وفؤاد قاعود ونجيب شهاب الدين وزين العابدين فؤاد.. لكن ابو النجوم فاز بنصيب الاسد. اخر الكلام وفي مغيب آخر ايام عمري سوف اراك وارى اصدقائي ولن احمل معي تحت الثرى غير حسرة الاغنية التي لم تتم (ناظم حكمت)