يبدو أن الجديد في قمة الدول الثماني الصناعية الكبرى المعروفة باسم مجموعة الثماني أو (G8) والتي عقدت مؤخرا في كاليغاري بكندا، هو أنه للمرة الأولى يتحدث أغنياء العالم بشيء من الجدية عن هموم الدول الفقيرة ولا سيما ما تعانيه قارة أفريقيا من مشكلات مزمنة، الفقر أحد جوانبها، دفعتها الى وضع لا تحسد عليه وجعلت كثيرا من دولها خاصة تلك الواقعة جنوب الصحراء الكبرى تعيش تحت خط الفقر بمراحل. واذا كان أربعة من الزعماء الأفارقة حرصوا على التوجه الى كاليغاري بدعوة من الزعماء الكبار فانهم قد انتهزوا الفرصة لتقديم خطة شراكة تكرس أسسا موضوعية للتعاون المستقبلي بين دول أفريقيا ومجموعة الثماني، وفي اعتقادي ان هذه خطوة جيدة تستهدف بالأساس النظر لتنمية القارة السمراء بشكل يعيد مستقبلها السياسي والاقتصادي. ومن هنا يمكن القول ان موافقة الدول الثماني الصناعية الكبرى على المقترحات الأفريقية تعد نقطة تحول في تاريخ العلاقات بين الشمال والجنوب التي سادها لفترات تاريخية طويلة كثير من الجفاء وعدم اكتراث الشمال الغني بمعاناة الجنوب الفقير، الأمر الذي أحدث فجوة ليس فقط على مستوى العلاقات الاقتصادية ولكن أيضا على المستوى السياسي بين الجانبين. بمعنى أنه قد حدث نوع من التراجع في الاسهام الأفريقي على وجه الخصوص في الشئون الدولية وحتى الاقليمية أيضا وتركت الساحة خالية للقوى الكبرى تلعب الدور الرئيسي في تحريك السياسة الدولية، وبرز ذلك واضحا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وظهور ما يسمى بالنظام الدولي الجديد أحادي الجانب في العلاقات الدولية. ومن هنا تأتي أهمية الخطوة التي تم انجازها في كاليغاري وتمثل شراكة جديدة بين أغنياء وفقراء العالم. وينص الاتفاق بين الجانبين على تعهد الدول الثماني الكبرى وهي الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا وايطاليا وفرنسا وألمانيا واليابان وروسيا بالمساهمة في حل الصراعات وتحقيق الاستقرار في القارة الأفريقية ومكافحة الممارسات التجارية غير المشروعة. ويتضمن اتفاق الشراكة تقديم الدعم لانشاء قوة تدخل عسكري لحفظ السلام في المناطق التي يشوبها التوتر والمنازعات. كما تتعهد الدول الثماني بالقضاء على مرض شلل الأطفال والمشاركة في مكافحة مرض نقص المناعة المكتسبة الايدز، في اطار تحسين الحالة الصحية لأبناء القارة كما ينص على أن تعمل الدول الغنية على فتح أسواقها أمام الصادرات الأفريقية عن طريق ازالة الحواجز التجارية بشرط أن تلغي الدول الأفريقية الدعم الحكومي الذي تقدمه لبعض قطاعاتها بحلول العام 2005. وقرر أخيرا الزعماء الكبار العمل على انفاق أكثر من نصف قيمة المساعدات التي تخصصها من أجل التنمية الخارجية التي تقدر بنحو ستة مليارات دولار على الدول الأفريقية التي تنتهج حكوماتها سياسات عادلة.. ورغم الجوانب الايجابية في النقاط التي شملها اتفاق الشراكة الا انه لم يشر الى مسألة الديون المتراكمة على الدول الأفريقية، فقد كان من المأمول أن توافق الدول الكبرى على الغاء هذه الديون كخطوة أولى نحو اعادة تنمية القارة بشكل جديد. ويلاحظ أن أقصى ما تمت الموافقة عليه هو اعفاء الدول الأشد فقرا في العالم بما فيها أفريقيا من سداد مبلغ مليار دولار اضافي من الديون التي ترهق كاهلها لكن هذا الاعفاء سيظل قاصرا في تلبية احتياجات عمليات التنمية الشاملة في كثير من هذه الدول ويبقى هناك انتظار المزيد من الاعفاءات حيث أن مبلغ المليار دولار المشار اليه سوف يكفي بالكاد لتعويض تدني أسعار سلع مثل البن والقطن التي تعتمد عليها اقتصاديات العديد من الدول النامية. ونعود الى اتفاق الشراكة مع الدول الأفريقية حيث سنجد أنه يتسم بقدر كبير من العموميات وترتبط بنوده بكثير من الشروط، البعض منها غير مفهوم، مثل ما هو المقصود بالسياسات العادلة التي يجب أن تنتهجها الحكومات الأفريقية؟. وكيف يمكن لمنتجات الدول الأفريقية التي تغزو الأسواق العالمية في ظل وجود منافسة لأطراف أخرى تتمتع بالتفوق المطلق في انتاج السلع الأفريقية؟ وهل سيتم تعامل الدول الأفريقية جميعها في مستوى واحد في اطار اتفاق الشراكة أم أن الاتفاق قاصر فقط على الدول الأربع الموقعة عليه ؟ والسؤال الأكثر أهمية: هل ثمة ربط بين الحرب الأميركية على ما يسمى بالارهاب والتسهيلات والاعفاءات التي ستقدم للدول الفقيرة ؟ في تقديري أن معظم هذه التساؤلات عجز اتفاق الشراكة عن أن يجيب عليها، وتبقى اجابة التساؤل الأخير التي تأتي متسقة مع السلوك الأميركي الحالي المرتبط بعقدة الحادي عشر من سبتمبر والذي أصبح يقسم العالم بين مؤيد لأميركا وهو معاد للارهاب ومعاد لأميركا وهو مشجع للارهاب، وهو تقسيم تعسفي غير عادل من الخطورة اعماله على الدول الأفريقية وربطه بأي اتفاقات تنموية مثل اتفاق الشراكة الذي تم في كاليغاري مؤخرا. بعبارة أخرى أن وضع شروط سياسية للتعاون الاقتصادي لن يسفر الا عن المزيد من المشكلات ولن تدور عجلة التنمية وستظل الفجوة قائمة بين الشمال الغني والجنوب الفقير. على كل حال أن الاختبار الأول لاتفاق الشراكة بين أفريقيا والدول الثماني الصناعية الكبرى سوف يتمثل في امكانية ترجمة الاتفاق الى قرارات واعتماد خطط تنفيذ مشروعات تنموية بالقارة الأفريقية وحسب ما قاله (ثابو مبيكي) رئيس جنوب افريقيا انه اذا التزمت الدول الكبرى بتعهداتها وبدأت في تنفيذ اتفاق الشراكة فان تنفيذ أول المشروعات يمكن أن يتم بحلول نهاية العام الحالي ولكن من خلال الواقع والخبرة العملية تظل الاتفاقيات والتعهدات شيئا والتنفيذ على أرض الواقع شيئا آخر. خلاصة القول.. وتبقى الحقيقة التي لايمكن اغفالها أن شراكة الكبار بقدر ما قد يعتقد البعض أن وراءها الكثير من المكاسب فان لها حتما الكثير من المخاطر التي تبدو كمحاذير أمام الدول الفقيرة لأن الدول الغنية لن تتخلى عن مصالحها مقابل تنمية والأخذ بيد الدول الفقيرة لأن العلاقات بين الدول في النهاية تحكمها لعبة المصالح.. ـ كاتب مصري