اصبحت القضية الفلسطينية اكثر تعقيداً واصبح الوضع يتطلب الكثير من الدقة في التعامل مع موازين القوى وقراءة أدق في التحولات والآفاق. القضية الفلسطينية، هي قضية العرب الاولى، ولكنها لا تحظى منهم بكل ما يجب، وذلك لانهم بالكاد قادرون على نصرة انفسهم في ظل الاوضاع الدولية المتحولة وفي ظل ردة الفعل الاميركية على احداث الحادي عشر من سبتمبر، وفي ظل ردة الفعل الاسرائيلية التي اعادت الاحتلال الى اراضي فلسطين في الضفة الغربية. بل نجد في ظل موازين القوى الراهنة ان العرب يطمحون للتعامل مع الشروط الاميركية في اطار تعديلها، وهذا ما يطمح اليه الوضع الفلسطيني. فعوضاً عن القبول بالشروط الاميركية: تغيير القيادة الفلسطينية، نجد ان السعي لدور رمزي للرئيس الفلسطيني هو المطلب العربي. وعوضا عن ان تكون الاصلاحات الفلسطينية اصلاحات تساهم في امن اسرائيل فقط، نجد البحث العربي خاصة من قبل مصر والمملكة العربية السعودية والاردن، عن اصلاحات تؤدي الى وضع افضل للفلسطينيين على الصعيد المالي والسياسي. بمعنى آخر مع كل مطلب اميركي هناك محاولة عربية ما لتخفيف حدة المطلب وتعديله وربما امتصاصه بما يحمي بعض المصالح الفلسطينية والعربية. وصدق القول: كيف يمكن لاصلاح حقيقي ان يقع في ظل احتلال للارض، وفي ظل منع لحركة المواطن من مكان الى آخر، وفي ظل تهديد مستمر لأمن المواطن، وفي ظل شعور شعبي بالاهانة التي يسببها الاحتلال؟ ان اسوأ انواع الاحتلال هو الاحتلال الذي يساهم في قهر قومي للناس. ان اسوأ انواع الاحتلال هو ذلك الذي يضطهد المجتمع وافراده على اساس العرق واللغة او الدين والقومية. في هذا الاضطهاد الكثير من الالم والضيق. ولو بحثنا عن احتلالات شبيهة لوجدنا مدى صعوبة تقبل البوسني للصربي في زمن العدوان الصربي، ومدى صعوبة تقبل الايرلندي للبريطاني في زمن الحرب، ومدى تقبل الاغلبية السوداء للأقلية البيضاء في جنوب افريقيا في زمن العنصرية، ومدى تقبل الباكستاني للهند، ومدى تقبل التركي لليوناني. حتى اليوم لا تستطيع ان تقول في اليونان انك تريد قهوة تركية او ان تقول لمواطن باكستاني من اي مقاطعة في الهند انت. الغضب والحقد القومي الذي ينتج عن صراع واضطهاد يصعب اخماده بلا عدالة حقيقية وبلا انصاف. وهذه هي مشكلة الشعب الفلسطيني. الشعب الفلسطيني اليوم لا يواجه حقداً قومياً، او احتلالاً يوجه الاهانة اليومية لكل ما هو عربي واسلامي بين عرب فلسطين، بل انه اسوأ من ذلك لانه يعد الشعب الفلسطيني احلال الجديد المهاجر مكان السكان الاصليين، واحلال القادم من الغرب او الشرق مكان المواطن المقيم ابا عن جد.. عملية الاستيطان والاحلال هي التي تجعل الاحتلال الاسرائيلي فريداً من نوعه وفريداً في اهدافه وفريداً في توجهاته، فهو يسعى للاحلال ولأخذ الارض ولطرد السكان، ولهذا هو من اكثر انماط الاحتلال ألما وصعوبة. العمليات الاستشهادية التي قام بها الفلسطينيون في فلسطين هي نوع من العمل الذي يحمل الكثير من العنف في داخله انها نمط من العمليات التي تتم عن درجة العنف ودرجة تبادل في الكراهية ودرجة من الألم في الجانب الفلسطيني تجاه كل التاريخ وجميع الاوضاع. في هذه العمليات ما هو اكثر من مجرد انتقام، بل في هذه العمليات ردة فعل على عملية تاريخية ادت فيما ادت الى وضع كل السكان في مخيمات والى وضع كل الفلسطينيين في حالة لجوء لم يشهد العرب مثيلاً لها منذ زمن الدولة الاسلامية في الاندلس. مهما كان رأينا في هذه العمليات، فهؤلاء الذين يقومون بها هم احفاد من طردتهم اسرائيل عام 48 في ظل حرب موسعة كان جوهرها تطهير عرقي من قبل مجموعة صهيونية مهاجرة، شمل كل الارض وكل السكان العرب في فلسطين. الحالة الفلسطينية الاسرائيلية وصلت الى طريق مسدود. والاصلاح مطلوب، ولكنه من الصعب استكماله في ظل احتلال قاهر ان جوهر المشكلة الفلسطينية هو وجود الاحتلال، والاستيطان والتهجير، وهذا يعني صعوبة تخفيف لهيبها بلا توجه صادق لعلاج مسبباتها. بلا وقفة حقيقية تساهم في لجم هذه العوامل، لن يكون المستقبل العربي الاسرائيلي القائم على الصراع الدائم افضل من ماضيه.