رفع العلم المغربي الأسبوع الماضي على جزيرة «ليلى» التي تقع داخل المياه الإقليمية للمملكة المغربية، وعلى بعد أمتار قليلة من شواطئها المطلة على مضيق جبل طارق، وان كانت على ما يقرب من 11 كيلومتر من مدينة سبتة التي تخضع للسلطة الإسبانية، ومتنازع عليها منذ قرون عديدة تسبق فترة «الحماية» الإسبانية على منطقة الريف. يعتبر استمرارا لحالة التردي في العلاقات بين البلدين التي بدأت منذ وصول رئيس الوزراء الإسباني الحالي خوسيه ماريا ازنار زعيم الحزب الشعبي اليميني خلفا لرئيس الوزراء السابق الاشتراكي فيليبي جونثالث الذي اتسمت العلاقات خلال فترة حكمه مع المغرب بالحوار والتفاهم. بل أن أحدا لم يدهش من اتخاذ المغرب مثل هذه الخطوة الدالة على رغبتها بفتح ملف الحدود الشمالية، وكأنه إجبار للحكومة الإسبانية على العودة إلى التحاور بعد أشهر من الصمت، لكن فتح ملفات النزاع مع إسبانيا في هذا التوقيت بالذات يجعل له مغزى آخر، لأنه يأتي عشية إعلان مدريد ولندن عن توصلهما إلى تقارب قد يؤدي إلى اتفاق ثاني حول تقاسم السلطة على مستعمرة جبل طارق التي تمثل الشق الثاني في النزاع الاستعماري القديم حول مضيق جبل طارق الحيوي استراتيجيا. لذلك يكون من الطبيعي فتح هذا الملف كنوع من «التنغيص» حتى لا يكون الإعلان الإسباني البريطاني انتصارا لرئيس الوزراء الإسباني الذي كانت نظرته إلى المغاربة منذ وصوله إلى الحكم عام 1996 تتسم بشيء من التعالي، وكأن إسبانيا عادت مع حكمه إلى زمن حكم الجنرال الراحل الذي ظل حتى آخر أيامه يعيش محاطا بحرس خاص يرتدي الزي المغربي، وكأنه لا يريد التخلي عن إحساسه القديم كمستعمر يفرض السلطة على شمال المغرب التي عاش أيامها الأخيرة، بل ومن أراضيها وبفضل القوات التي كان يقودها هناك تمكن من القضاء على الجمهورية الثانية في إسبانيا والبقاء بعدها في الحكم ما يقرب من أربعين عاما. اهداف انتخابية وان كان بعض المراقبين يرون أن لرئيس الوزراء الإسباني دوافعه في أن يصل بعلاقاته مع الرباط إلى حد التردي، نظرا للمشاكل الناتجة عن عدم تجديد اتفاق الصيد «المغربي الأوروبي» الذي كانت نتيجته مزيدا من البطالة بين صيادي منطقة الأندلس، وإخفاقا في تحقيق بعض الشعارات التي رفعها خلال حملته الانتخابية، ويحاول من خلال إبراز صدامه مع السلطات المغربية أن يبين لناخبيه انه لن يتخلى عن مطالبهم للعودة بالصيد في المياه المغربية كما كان يحدث في السابق، وهو الأمر الذي لم يتحقق، بل انتهى بسحب السفير المغربي من مدريد منذ أكتوبر العام الماضي، لتزداد الأزمة بين البلدين حدة. يبني المراقبون هذه التحليلات على أساس تطور العلاقات بين المغرب وإسبانيا خلال العامين الأخيرين، إضافة إلى القيمة المادية الضئيلة التي تمثلها تلك الجزيرة التي يدللها المغاربة باسم «ليلى» المحبوب لديهم، فيما يطلق الإسبان عليها اسم جزيرة «البيريخيل» التي يمكن ترجمة معناها إلى العربية «البقدونس» نظرا لتكاثر البقدونس البري فيها بكثرة. الجزيرة التي فتحت ملفات النزاع الحدودي من جديد بين المغرب وإسبانيا لا يكاد حجمها يزيد عن حجم ملعب كرة قدم، حسب المصادر الجغرافية تبلغ مساحتها ثلاثة عشر ونصف هكتار، وهي على هيئة مثلثة، أطول أضلاعها لا يزيد عن ميل واحد، كانت خالية منذ الثلاثينات بعد انسحاب حاميتها الإسبانية الصغيرة خلال الحرب الأهلية 1936 ـ 1939، وحتى وقت رفع العلم المغربي عليها الأسبوع الماضي، إلا أنها تاريخيا كانت محل نزاع بين عدد من الدول الاستعمارية تبادل عليها عدد من المحتلين، لا بسبب أهميتها الجغرافية ولكن بسبب أهميتها الإستراتيجية. احتلها البرتغاليون خلال زمن الفتوحات الجغرافية الأولى التي كانت لهم فيها الريادة، ومحاولاتهم السيطرة على المرور ما بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الاطلسي عبر مضيق جبل طارق، ولم يتخلوا عنها حتى عام 1581 بعد تنازلهم عن سيطرتهم على مدينة سبتة للأسبان، وتم التوقيع رسميا على هذا التنازل خلال الاتفاق الإسباني البرتغالي عام 1668 وبحلول عام 1808 دخلت بريطانيا إلى حلبة الصراع على المرور في مضيق جبل طارق، فأرسلت قوات لتقيم على تلك الجزيرة الصغيرة بهدف مراقبة أسطول نابليون الذي كانت جيوشه تحتل إسبانيا، ومنعه من التوغل غربا حتى لا يفاجئ القوات البريطانية في مستعمرة جبل طارق، إلا أن الملك الإسباني فرناندو السابع طلب بعد ذلك من الحكومة البريطانية سحب حاميتها من الجزيرة باعتبارها قريبة من مدينة سبتة، ووجود هذه القوات بالجزيرة الصغيرة يهدد أمن الحامية الإسبانية في تلك المدينة. تنافس استعماري عادت عيون البحرية البريطانية وقيادتها تجاه هذه الجزيرة من جديد عندما حاولت الولايات المتحدة عام 1836 ، القوة الاستعمارية الجديدة، أن تصل إلى نوع من الاتفاق مع إسبانيا لتسمح لها بإقامة محطة بحرية فيها، وكان الهدف الأمريكي المعلن أن تكون الجزيرة مرفأ للسفن التي تنقل الفحم من أوروبا إلى العالم الجديد، إلا أن بريطانيا نجحت في إجهاض المحاولة الأمريكية حتى لا تترك الفرصة لها في فرض أي نوع من النفوذ على ممر جبل طارق الذي يخضع في شماله لرقابة القوات البريطانية الرابضة في مستعمرة جبل طارق، وفي جنوبه للرقابة الإسبانية المتمثلة في وجودها في مدينتي سبته ومليلة. خلال توزيع مناطق النفوذ الإسباني الفرنسي على الأراضي المغربية فيما كان يسمى باسم اتفاق «الحماية»، تم الاتفاق بين الجانبين عام 1912 على حدود الحماية الإسبانية على المغرب، وكانت الحماية الإسبانية تشمل مناطق الريف المغربية الشمالية، ولم يكن من بينها تلك الجزيرة التي ظلت خالية لبعض الوقت، ثم تناوب عليها بعض الجنود في أعداد قليلة ولفترات محدودة، وتم الجلاء عنها نهائيا في الثلاثينات، وظلت الجزيرة خالية حتى وقت رفع العلم المغربي عليها الأسبوع الماضي. رسميا تعتبر جزيرة «ليلى» مغربية، لأنها تقع داخل حدود مياهها الإقليمية التي لا يفصلها عن الشاطئ إلا بضعة أمتار قليلة، ويبدو أن السلطات الإسبانية كانت تعترف بوضعها الفعلي كمنطقة خالية غير ذات أهمية، بل واعترفت ضمنيا بهوية الجزيرة المغربية عندما قررت وضع التنظيم الإداري الداخلي لمدينتي سبتة ومليلة، فقد وضعت الجزيرة في بداية الأمر ضمن حدود مدينة سبتة، الا أن احتجاج حكومة الملك الحسن الثاني وقتها دفع السلطات الإسبانية إلى إزالتها من الخرائط الرسمية التي توضح حدود المدينة رسميا، مما اعتبره المغاربة اعترافا إسبانيا بالهوية المغربية للجزيرة. إضافة إلى أن اتفاق التعاون والصداقة الموقع بين المملكة المغربية وأسبانيا عام 1991 لا تظهر فيه جزيرة ليلى، ولا حتى باسمها الإسباني «بيريخيل» أو «البقدونس» كمناطق نزاع متروكة للحل مثل ما هو وضع مدينتي سبتة ومليلة، وهذا ما أكده أكثر من مرة وزير الخارجية المغربي محمد بن عيسى، واعترفت به قبل أيام قليلة وزيرة الخارجية الإسبانية الجديدة «آنا بالاثيو» التي وجدت هذه القضية الساخنة على مكتبها بعد يوم واحد من تسلمها منصبها الجديد في حكومة بلادها على اثر التغيير الكبير الذي أدخله رئيس الوزراء الإسباني على حكومته بعد تردي علاقاتها مع النقابات العمالية حول قوانين العمالة الجديدة. على أي حال فإن كل الدلائل في تجديد النزاع بين البلدين تشير إلى أن موقف الحكومة المغربية أقوى جغرافيا وقانونيا وسياسيا، وربما ضعف الموقف الإسباني في هذه القضية جعلها لا تطالب بالسيادة على الجزيرة، ولكنها تكتفي بالمطالبة بعودة الحال إلى ما كان عليه، أي بقاء الجزيرة الصغيرة خالية. يمكن أيضا قراءة فتح ملف الحدود بين المغرب وإسبانيا في هذه اللحظة وفي ظل الظروف الراهنة من جوانب مختلفة، وأي من الآراء التي يطرحها المراقبون في المنطقة يمكن أن تكون نتيجتها صحيحة، ولكن تزامن عودة رفع العلم المغربي على هذه الجزيرة التي كانت خالية لفترة طويلة مع إعلان كل من الحكومتين البريطانية والإسبانية عن التوصل إلى أساس يمكن البلدين من حل مشكلة جبل طارق بتقاسم «السيادة» لفترة يتم التفاوض لتحديدها، ولكنها تنتهي آجلا أم عاجلا بعودة السيادة الكاملة للحكومة الأسبانية، هذا التوافق الزمني يجعلنا نتجه بأعيننا وجهات أخرى، ويجعل إمكانية تدخل أطراف أخرى من خارج المنطقة أمرا ممكنا وطبيعيا؟!، ويمكن معه تفسير الخطوة المغربية برفع العلم على جزيرة ليلى على أنه استخدام الجزيرة لتحقيق مكاسب في قضايا سياسية عالقة يمكن للأطراف الدولية الأخرى أن تلعب فيها دورا مهما، وبشكل خاص قضية الصحراء، وهذا التحرك المغربي لاستخدام الجزيرة كسلاح استراتيجي أمر مشروع، بل ومطلوب لتحقيق مصالحها الوطنية. وكنت أشرت قبل أسبوعين في مقالي المنشور في هذا المكان إلى التحركات الأمريكية التي كانت وراء فشل المباحثات البريطانية الإسبانية حول مستعمرة جبل طارق، على الرغم من أن الطرفين يعتبران حليفين للولايات المتحدة، ولكن التوجه الأمريكي الحالي بالانفراد بالتحرك دوليا لحماية مصالحها التي قد لا تجد تجاوبا أوروبيا جعلها تضغط على بريطانيا حتى لا يتم التوصل إلى حل يمنح إسبانيا الهيمنة المنفردة على مضيق جبل طارق، لأنه في حالة استعادة إسبانيا لسيادتها على مستعمرة جبل طارق يمكنها إحكام السيطرة على الممر من خلال وجودها العسكري في مدينتي سبتة ومليلة الواقعتان شمال المغرب، أي تصبح السيطرة الإسبانية على مضيق جبل طارق من الشمال والجنوب، وهو أمر غير مرغوب فيه ليس من جانب الولايات المتحدة فقط، بل ومن جانب قوى أخرى لها مصالح يمثل العبور فيها من البحر المتوسط إلى المحيط الاطلسي أهمية استراتيجية. والمغرب كدولة لها مصالحها الخاصة أولى بالمشاركة في رقابة الملاحة في مضيق جبل طارق ما دامت تمتلك الوسيلة المادية التي تساعدها على هذا من خلال تلك الجزيرة الصغيرة حجما ولكنها الهامة استراتيجيا. ـكاتب مصري مقيم في أسبانيا