نكمل اليوم حديثنا حول ولوج الرجل الى عالم تربية الابناء، واشرافه المباشر على شئونهم الخاصة وتوفيره لمتطلبات الشراكة مع الأم في هذا الدور الذي ظل لفترة طويلة حكراً على المرأة وحدها. وكنا قد استدعينا تلك التجربة الغنية التي خاضتها بعض الاسر الاميركية، ودللت على امكانية التعاون بين الام والاب في هذا الجانب مما يملي علينا ان نقرأ تلك التجربة المعاصرة لا لفقر بيئتنا في النماذج الجيدة من هذا النوع، ولكن لان النجاح في اي جانب من جوانب الحياة له جاذبيته وسحره الذي يغري بالتأمل ثم التمثل كمرحلة تالية، كما انه تأكيد على ان المجتمعات البشرية مازال فيها من يحترم خصوصية العلاقة بين الاب والأم على نحو يبعد الشك في ان تتجرد كل الاسر من قيم التعاون والتكامل بين الرجل والمرأة. اذ انه من الحتمي وجود افراد في شتى بقاع الارض بل واكثرها تفلتاً من قيود الالتزام بالواجبات الاجتماعية، يحافظون على روح الانتماء للعائلة كخط الدفاع الأول الذي يثبتون به انسانيتهم وقدرتهم على الوفاء بأدوارهم التي هيأتها لهم الحياة. ومما يؤكد سهولة هذه التجربة الابوية، تلك الشهادة التي تقدم بها «ويلسون» الذي برع في دوره الجديد، رغم عدم وجود خبرة سابقة لديه في هذا المجال. اذ يقول عن نفسه: «لم أعتن بطفل يوما، ولم يكن لديّ يوما اخوة او اخوات اصغر مني سناً». ورغم ذلك فانه خاض تجربة رعاية اطفاله، وتقدم في هذا الدور الى المستوى الذي جعله يؤسس لنفسه موقعاً على الانترنت، ويتلقى اسئلة الاباء الذين يخوضون التجربة ذاتها، كما انه يعنى بتحضير مؤتمرات للاباء من اجل تزويدهم بالمعلومات الصحيحة التي تمكنهم من النجاح في دورهم داخل المنزل. ومن المؤكد ان امثال «ويلسون» كثر، وهم يزدادون يوما بعد يوم، واغلبهم يرى ان التدرب اثناء هذا العمل يتطلب حسا فكاهيا. كما يرى اولئك الآباء ان طريقة التربية تختلف بين الاب والام، الامر الذي يحمل دلالة على استقلالية الاب عن تكريس دور التبعية لنمط التربية داخل الاسرة، وهو الشيء الذي يخشاه اغلب الرجال، فيما لو تقدّموا للمساعدة وعرضوا خدماتهم في هذا الجانب، ان تخطف الام عنهم المبادرة، وتحولهم الى مجرد منفذين لارادتها الخاصة، ومنهجها في تربية الابناء!! ان من خاضوا تلك التجربة يؤكدون على الروح الاستقلالية التي يتمتعون بها اثناء ممارستهم لأدوارهم التربوية، وهو ما يمنحهم الفرصة الكاملة للتعبير عن اتجاهاتهم، وآرائهم فيما يختص بتنشئة الابناء، والتي يراها بعضهم مختلفة عن الطريقة التي تمارسها الام. فهذا احد الاباء يتحدث عن تجربته قائلا: «زوجتي تميل الى القيام بأمور اكثر هدوءاً معهم داخل البيت، اما انا فأقوم معهم بمغامرات اكثر». ويقول «ويلسون» الشاهد الذي مر ذكر اسمه مراراً في زاوية البارحة واليوم ايضا: «ان زوجتي تميل الى الرسم مع اولادها، في حين انني احثهم على الالعاب الشاقة». وهنا يلح سؤال يقلق بال الكثيرين من الاباء والامهات، من اين نأتي بوقت الفراغ الذي نجلس فيه مع الاطفال، ونمارس فيه هذه الادوار؟! أليس الانشغال بجلب الرزق هو أيضا تعبير عن حب الابناء، فلماذا اذن لا يعذر من ينصرف عن ممارسة ابوته بالطريقة المباشرة التي نعرض للحديث عنها؟! ان الجواب المتاح يتطلب وقفة صريحة مع النفس، ليس فيها مراوغة او تبرير، فهل العمل في الليل والنهار من اجل جلب المزيد من المال يمكن ان يعوض الابناء عن لحظات اللقاء معهم؟ ارى ان كل شيء زاد عن حده سينقلب حتما الى ضده، ولهذا فان الرأي السائغ في هذه المسألة هو ان تجرى عملية تقييمية وحصرية لكل تلك الساعات المبذولة في الخارج، وهل يساوي العائد المادي منها ذلك الفراغ العاطفي الذي يعانيه الاطفال ام لا؟! وهنا يحضرني مثل حول اسرة اعادت جدولة ايامها، وحساباتها المالية، ثم قامت بحصر الهدر في المشاعر العاطفية بعد ان استسلم الابوان لصوت المال ردحاً من الزمن، وبعد مدة قاما بإجراء تقييم على ادائهما تجاه مسئوليتهما الاسرية، واكتشفا ان الاستسلام لنداء المال دون غيره من نداءات الفطرة سيكلفهما غاليا. الامر الذي دفعهما باتجاه استدراك ذلك الواقع. وفعلاً تم توفير جزء من الوقت للابناء، وحينها صرّح رب الاسرة عن ردة فعل اطفاله بهذه الكلمات المعبرة فقال: «مكافأتي، هي عندما يأتي اليّ ابني فجأة، ويقول: احبك».