دخل عمر بن عبد العزيز قبل أن يستخلف على الوليد بن عبد الملك، فقال: يا أمير المؤمنين؛ إن عندي نصيحة، فإذا خلا لك عقلك، واجتمع فهمك فسلني عنها، قال: ما يمنعك منها الآن؟ قال: أنت أعلم أنه إذا اجتمع لك ما أقول فإنك أحق أن تفهم. فمكث أياماً ثم قال: يا غلام؛ من بالباب؟ فقال له: ناس وفيهم عمر بن عبد العزيز، فقال: أدخله. فدخل عليه فقال: نصحتك يا أبا حفص فقال عمر: إنه ليس بعد الشرك إثم أعظم عند الله من الدم وإن عمالك يقتلون ويكتبون: إن ذنب المقتول كذا وكذا. وأنت المسئول عنه والمأخوذ به. فاكتب إليهم: ألا يقتل أحد منهم أحداً حتى يكتب إليك بذنبه ثم يشهد عليه، ثم تأمر بأمرك على أمرٍ قد وضح لك، قال: بارك الله فيك يا أبا حفص. فكتب إلى الأمصار فلم يحرج من ذلك إلا الحجاج فإنه أمضه وشق عليه وأقلقه وظن أنه لم يكتب به إلى أحد غيره فبحث عن ذلك فقال: من أين دهينا؟ ومن أشار على أمير المؤمنين بهذا؟ فأخبر أن عمر بن عبد العزيز هو الذي فعل ذلك فقال: هيهات ! إن كان عمر فلا نقض لأمره. ثم إن الحجاج أرسل إلى أعرابي حروري جاف من بكر بن وائل، ثم قال له: ما تقول في معاوية؟ فنال منه . قال له: ما تقول في يزيد؟ فسبه قال: فما تقول في عبد الملك؟ فظلمه. قال فما تقول في الوليد؟ فقال:أجورهم حين ولاك وهو يعلم عداءك وظلمك فسكت عنه الحجاج وافترصها منه. فدخل الحروري على الوليد، وعنده أشراف أهل الشام وعمر فيهم فقال له الوليد: ما تقول فيّ؟ قال: ظالم جائر جبار! قال: ما تقول في عبد الملك؟ قال: جبار عات، قال: فما تقول في معاوية؟ قال: ظالم قال الوليد لابن الريان: اضرب عنقه، فضرب عنقه، ثم قام فدخل منزله وخرج الناس من عنده، فقال: يا غلام أردد علي عمر، فرده عليه فقال: يا أبا حفص، ما تقول في هذا؟ أصبنا فيه أم أخطأنا؟ فقال عمر: ما أصبت بقتله ولغير ذلك كان أرشد وأصوب، كنت تسجنه حتى يراجع الله عز وجل أو تدركه منيته. فقال: شتمني وشتم عبد الملك، وهو حروري، أفتستحل ذلك؟ قال: لعمري ما أستحله؛ لو كنت سجنته - إن بدا لك - أو عفوت عنه كان أرشد! فقام الوليد مغضباً، فقال ابن الريان لعمر : يغفر الله لك يا أبا حفص لقد راددت أمير المؤمنين حتى ظننت أنه سيأمرني بضرب عنقك! فقال عمر:لو أمرك كنت تفعل؟ قال: إي لعمري.