يقولون للكذب روايات لا حصر لها، وللحقيقة رواية واحدة، لان محترفي الكذب ومزوري التاريخ، يلجأون في العادة لاعادة انتاج اكاذيبهم، وصياغتها من جديد، بعد تزويدها كل فترة بوقائع مثيرة مختلقة، لتلائم الجمهور وتتواءم مع الجو السائد سياسيا وثقافيا، وهم بعملهم المزري يعترفون ضمنا بسطوة الحقيقة ورصانة روايتها الوحيدة، التي تستعصي على الدحض والتفنيد، لكن عزاءهم ان تبقى معلومة في اطار ضيق ولا تتجاوز دائرة النخبة من اهل الحقيقة. وآفة الكذب والانتحال والتزوير ليست حكرا على الخارجين عن القانون والآداب العامة، بل تدمغ بجرمها للاسف كثيرين من المثقفين والسياسيين والادباء والصحفيين، الذين فارقتهم فضيلة الصدق مع النفس واستوطنتهم غواية الشهرة والمجد والثروة والسير في ركاب السلطة الآنية، والتقلب مع تقلبات الايام وتداولات السلطان، ويجتهدون في اتقان حرفة المدح لمن بقي وهجاء من رحل، بصرف النظر عمن لا يستحق الهجاء ومن يستحق المدح، المهم ارضاء من بيده السلطة. ويراهن معظم هؤلاء على ما يعتبرونه «الذاكرة المثقوبة» للجمهور، سواء كانوا من قراء الصحف او من العامة، التي تتابع شفاهة ما يجري، ويمعنون في غيهم، ولا يتوقفون عن اصطناع هالات الاكاذيب المثيرة البراقة، ومن اجل تسويق بضاعتهم ونيل رضا صاحب السلطة، والتمتع بمزاياه والتقرب اليه ينتزعون شرف المعارضة «الوهمية» لمن رحل. لكن لماذا كل هذا الانشغال بهؤلاء الكذابين، مزوري التاريخ؟ ببساطة لانهم دائما موجودون في كل سرادق ويتقدمون الصفوف عند توزيع الغنائم وغائبون للابد عن ساحات الجهاد، رغم ان صوتهم الاعلى في الاحتفاليات، واليهم يجب ان ترد كل نائبة تحل بالأمة، ومن اجلهم يجب ان تنشط الذاكرة، حتى لا نقع فريسة لهم، وتضيع الحقيقة ويختل ميزان العدل، ونفقد الوعي والتاريخ معا. وما دعاني لتذكر تلك الفئة، تلك الاحتفاليات التي بدأت بثورة يوليو العربية في عيدها الخمسين، وفي القلب منها زعيم الثورة وبطلها التاريخي خالد الذكر جمال عبدالناصر، ابن ساعي البريد البسيط الذي قاد الضباط الاحرار في تحرك ثوري اقتلع جذور شجرة ملك فاسد، وطارد الاستعمار الاجنبي والغربي في كل بقاع وطننا العربي، واطلق مشروعا للنهضة والتحرر والاستقلال وظل طيلة فترة حكمه، وفيا للبسطاء ونصيرا للضعفاء المظلومين من عامة الشعب وحافظ رغم اخطاء حكومته ورجالها على تقشفه وزهده وبساطته ورفضه الفطري للفساد والمفسدين، ورحل طاهر اليد يعترف له خصومه واعداؤه قبل اصدقائه بالفضل باستثناء من في نفوسهم يستوطن مرض الكذب والنفاق والتزييف. ولأن القضية ليست موسمية، بل باتت ظاهرة تعاني منها حياتنا الثقافية والصحفية، ومواجهتها اصبحت فرض عين، حتى لا نترك اجيالنا الشابة نهبا للنافخين في بوق الافك يجب ان نبادر لوقفة شجاعة تتبنى معايير موضوعية وتترفع عن غريزة الانتقام وتهدف الى مراجعة موقف المثقفين والصحافة من ثورة يوليو وقائدها التاريخي جمال عبدالناصر. والمقصود، هو الاعتبار بخطايا من خاضوا مستنقع الافك، بعد رحيل عبدالناصر، وتسابقوا في اشهار اقلامهم كالرماح المسمومة، لاغتيال تاريخ في مجمله، وتصوير مرحلة عبدالناصر على انها مرحلة ضياع وطغيان. والأهم ان تكشف المراجعة تلك الفئة من الكتاب الذين انقلبوا على انفسهم وتناسوا مدائحهم له حيا ونهشوا سيرته ميتا، حتى لا يجرؤ محترف للكذب والنفاق على مجاراتهم وحتى نبدد اسطورة «الذاكرة المثقوبة»، فالتاريخ لا يرحم حتى وان نجح المزورون احيانا، فالحقيقة ماتلبث ان تنتصر، فهي ظل التاريخ الحقيقي.