أول يوم سافرت فيه إلى القاهرة لأدرس فيها ثم أعيش حتى الآن، وصلت مساء الخميس، واستيقظت مبكرا صباح الجمعة لأذهب إلى سور الأزبكية، ووصلت إليه، ولكنني كنت أبكر كثيرا من بائعي الكتب، جلست أنتظرهم نحو ساعتين أتوا الواحد تلو الآخر، وبدأت علاقة هي جزء من حياتي وكان السور الذي تباع عنده الكتب القديمة بأسعار زهيدة رافدا مهما للثقافة. ولكن أحد المحافظين لم يخف كرهه للثقافة فطارد باعة السور حتى شردهم، وعندئذ اكتشفت أكثر أهمية هذا المكان، فلقد تبنى المثقفون العرب قضية السور، وهكذا اتضح فضله على الجميع. وبعد سنوات عندما عاد باعة السور إلى قلعتهم كانت الأمور قد اختلفت، فلقد أصبحت الآن تجارة الكتب القديمة من أكثر أنواع التجارة ربحا، ولم يعد السور مصدرا لثقافة الفقراء والشباب وانصرف الكثيرون عنه. وفي معرض الكتاب قسم لباعة الكتب القديمة تحت عنوان سور الأزبكية، ولقد لمحت «الكشك» الذي يجلس فيه البائع ليقدم الكتب القديمة بقروش قليلة، واستأذنته في حزم أن يخرج من «الكشك» ودخلت مكانه فهو لا يسع إلا شخصا واحدا، وأخذت أحمل الكتب حملا، مما جعله يرضى عني بعد استياء. وفي مثل هذه الحالات تحدث أخطاء طريفة، فذات مرة نزلت على سور الأزبكية مكتبة لأحد المخرجين الراحلين، وأخذت أنافس البعض في الانتقاء، وكان من بين ما أخذته كتاب عن السينما ولما عدت إلى البيت وبدأت أنظر إلى الكتاب وجدته باللغة الألمانية التي لا أعرف منها سوى تحية الصباح والمساء! وفي هذه المرة أيضا وجدت بين ما أخذته كراسة للخط العربي! وأعرف أن طابع هذا المقال ستلمع عيناه وهو يقرأ هذا الكلام، وربما تعجب أنني أعرف شيئا عن الخط العربي، وإلا كيف أكتب بهذا الخط «اللاوندي»! فهل اشتريت كراسة الخط لأنني فكرت في أن أحسن خطي؟ لا أظن هذا فأنا لا أؤمن بتحقيق المعجزات في هذه الأيام وخاصة على يدي. لقد اخترت الكراسة بين ما اشتريته حسب ما ألمحت لك سابقا في ثوان وأحاول استعادة هذه الثواني عبثا، ربما أعجبني شكل الكراسة وربما فكرت أن أهديها لأطفال العائلة لكي يحسنوا خطوطهم، عجزت تماما عن معرفة السبب في شرائي لهذه الكراسة، رغم أنني أعرف جيدا لماذا اشتريت تلك الكتب وجلست أتأمل الكراسة بدهشة كبيرة، ومازلت أفعل حتى الآن، فالكراسة تعتبر وثيقة أثرية: حقوق الطبع والنشر محفوظة لكاتبها عبد الرازق عوض معلم خط عربي بمدرسة الناصرية وتلميذ عزت أفندي خطاط دار السعادة سنة 1318 و1900، ولعلنا ندهش لكراسة عمرها أكثر من مئة عام وتدهش أكثر لأن عبد الرازق كان حريصا على أن يؤكد تلمذته لعزت أفندي، ولا تحاول أن تقارن ذلك بما حدث الآن من التنصل من فضل الأساتذة، فتجد من يقول: نحن جيل بلا أساتذة ومن يقول: أعطونا فرصة وعلى العواجيز أن يموتوا! ولكن 1900 هو تاريخ النشر أو الطبع أما سنة استخدام الكراسة على ما كتبه التلميذ بخطه «البسيط » هو 1906 وكان العالم آنئذ غير ما نعرفه الآن فلم تكن قد حدثت حربان عالميتان ولم تكن التجربة الشيوعية سقطت بل لم تكن قامت أصلا، ولم يكن هناك راديو ولا تلفزيون ولا كمبيوتر وكانت سرعة السيارات عشرين ميلا في الساعة، وكانت الولايات المتحدة دولة حسنة السمعة، وكان اليهود يثيرون القرف والرثاء، ولم يخطر على بال أحد أن تكون لهم دولة على جثتنا. وكتب التلميذ أن الدراسة تبدأ من فبراير وهو تاريخ مدهش.. فنحن نعرف أن الدراسة تبدأ عادة مع انتهاء شهور الصيف أي في سبتمبر أو أكتوبر، أما أن تبدأ في فبراير فهذا عجيب. ولا نظن أن نظام «التيرم» كان موجودا آنئذ ولعل فبراير هذا كان تاريخ استخدام الكراسة ، وأنه كان سبقها كراسة أو كراسات أخرى. وجدنا عبد الرازق عوض صاحب هذا المصنف يبدو أنه لم يكن مصنفه الوحيد فلقد قال انها كراسة 4 وكان ذلك تحت عنوان طريف هو «الرفعة في تعليم الرقعة» وأن نظارة المعارف العمومية قررت استعماله للسنة الثالثة الابتدائية. ولابد أنك لاحظت كلمة «نظارة» فكلمة وزارة لم تكن قد استخدمت بعد، فلقد كانت مصر لقرون طويلة تابعة للدولة العثمانية التي تحكمت في معظم الدول العربية ولم يكن من الممكن لأي بلد أن يكون لها وزراء فكيف يكون هناك وزير للاتصال في اسطنبول ووزير للأشغال في مصر أو في أي بلد آخر، ولان مصر تميزت بقدر كبير من الاستقلال منذ تحرر محمد علي باشا صار لها نظار بدلا من وزراء وكان النظار يتبعون الحاكم مباشرة حتى 1876 عند تكوين أول مجلس للنظار وله رئيس، وكان أول رؤسائه نوبار باشا الأرمني الأصل ولم يتمتع النظار بلقب الوزراء إلا في عام 1914 عندما أسقطت التبعية العثمانية الاسمية على مصر، وفرضت عليها الحماية البريطانية مع بداية الحرب العالمية الأولى. ونعود إلى الكراسة حيث نقرأ في ظهر الغلاف الأول بالعربية طبعت بالمطبعة المملوكية النمساوية ومكتبة فيينا لصاحبها أدولف هولز هونرن 1901. واسم أدولف يذكرنا بالطبع بأدولف هتلر، وكان النمساويون يكرهونه كثيرا، وضم النمسا إلى ألمانيا وبعد الحرب العالمية الثانية اختفى اسم ادولف من اللغة الألمانية، ولا أظنه عاد يستخدم وأعرف أن طابع هذا المقال مازال مستمتعا بالحديث عن الكراسة الأثرية، لكنني أسعى لإحباطه فأقول له أن خط التلميذ كان سيئا حقا هو في الثالثة الابتدائية لكن تلاميذ زمان غير تلاميذ الآن وخاصة في الخط وأجد صعوبة في قراءة اسمه فلقد كتبه علي خلف المسيني وأظنه كان يريد كتابة الحسيني، كما أنه كتب اسم مدرسته «الهامية» ولا أدري ما هذا، فلو كانت المدرسة منسوبة إلى الهامي باشا مثلا لكان اسمها الإلهامية. ولا أظن أن علي خلف الحسيني أو غير ذلك مازال على قيد الحياة وإلا لكانت أعجوبة وربما توفي أولاده أيضا ففي ذلك الزمن لم يكن يقل سن تلميذ في المدرسة الابتدائية عن ثلاثة عشر عاما أي أن علي خلف لو كان يعيش الآن فعمره 115 عاما أو أكثر. ولكن كيف عاشت كراسة أكثر من صاحبها وربما أكثر من أولاده؟ وأين كانت كل هذه السنوات؟ وما أكتبه عن هذه الكراسة هي مجرد ملاحظات متناثرة، ولكنني كنت أتمنى دراستها فكاتبها قدم في الصفحة الأخيرة ما أسماه «تنبيهات» هي ستة تنبيهات في عشرة سطور تكشف أن مدرس الخط صاحب رؤية في تعليم الخط بل في التعليم عامة. وتخيلت أنني التقي بالمدرس عبد الرازق والتلميذ علي في أي زمان عاشا فيه وأسأل المدرس هل ذكر تلميذه؟ وأسأل التلميذ هل يذكر أستاذه ؟ عشرات المدرسين علمونا في المدارس ولا نذكر منهم إلا اثنين أو ثلاثة، ذلك لأن المدرس جندي مجهول يقدم خدماته بلا توقع للجزاء.. أو هذا ما كان يحدث زمان!! وزمان سأل أحدهم الآخر: لماذا خطي ليس مثل خطك ؟ فقال له وهل حظي مثل حظك؟