في القرنين التاسع عشر والعشرين حقق العرب قدرا، من بالغ الصعوبة تحديده من التطور في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية. ويتجلى هذا التطور في ظواهر منها انشاء عدد كبير من المدارس والكليات والجامعات وشق الطرقات الرئيسية وانشاء السدود ووضع تشريعات تتعلق بحقوق المرأة والعامل وزيادة شيوع استعمال اجهزة الكمبيوتر. وعلى الرغم من اهمية هذا التطور فان الطريق الذي ينبغي للعرب ان يقطعوه على طريق التطور والتقدم في مجالات كثيرة لايزال طويلا، والجهود التي ينبغي لها ان يبذلوها لتحقيق قدر اكبر من التطور والتقدم كثيرة والأموال التي يتعين عليها ان يخصصوها تحقيقا لهذين الهدفين طائلة. اسباب التخلف لقد سبقت دول العرب في التطور والتقدم في المجالات المذكورة. وفي هذه المجالات اصبح العرب متخلفين بالمقارنة بشعوب اخرى. وتقوم اسباب لهذا التخلف. ومن هذه الاسباب تعرض الاراضي العربية والشعوب العربية لتجارب قاسية، مثل غزو التتار في العصر الوسيط للمشرق العربي وتخريبهم لمراكز الحضارة فيه وحرقهم لمئات آلاف المخطوطات العربية، تعرض العرب للحملات الصليبية المتتالية والمخربة التي دامت سنين كثيرة، وخضوع البلدان العربية للاستعمار والحكم الاوروبيين وتدخل دول غربية في الشئون الداخلية لعدد من البلدان العربية وفرض تلك الدول لارادتها السياسية والعسكرية على تلك البلدان، ومحاربة دول وقوى غربية للعرب والعروبة والاسلام، وعدم اتاحة تلك الدول والقوى للمجتمعات العربية فرصة التطور الطبيعي،وقيام دول وقوى اجنبية بتجزئة الارادة العربية وباضعاف تلك الارادة. لقد عرقلت هذه التطورات التطور الاجتماعي العربي المنتظم وادت الى تشتيت الجهود العربية. ويقوم سبب آخر للتخلف العربي، وهو قلة اللجوء طيلة عقود كثيرة من السنين الى الاجتهاد الذي هو احد مصادر الشريعة الاسلامية. اصدار الفقهاء المجتهدين للرأي الاجتهادي من شأنه ان يسهل على المسلمين ان يعرفوا كيف يتعاملون مع التطورات والمستجدات وان يتخذوا موقفا حيالها. ومن الطيب ان فقهاء المسلمين لديهم الآن فيما يبدو ميل اكبر الى اصدار الرأي الاجتهادي في مواضيع في مجالات الحياة المختلفة. عن طريق الاجتهاد يمكن اصدار رأي في كيفية التعامل مع تطورات العصر الذي نعيشه، رأي يشكل نهجا حيالها ويبين ما فيها من الوجوه الكريهة والوجوه المستحبة، ويبين جوانب استعمالها المشروعة وجوانب استعمالها المحرمة. وتشيع في ايامنا في كل ارجاء المعمورة ظاهرة التزمت. ونشوء هذه الظاهرة ليس مقصورا على منطقة من المناطق او قارة من القارات او ثقافة من الثقافات او شعب من الشعوب او فترة من الفترات. هذه الظاهرة قائمة في مناطق وقارات وثقافات مختلفة. وقد نشأت هذه الظاهرة خلال اوقات من التاريخ البشري. ويقترن بمفهوم التزمت مفهوم التطرف. اضرار التزمت وللتزمت تعاريف، ومن تعاريفه اقامة مطابقة بين عقيدة من العقائد، مثلا عقيدة سياسية او اقتصادية او اجتماعية، والصيغة المؤسسية والثقافية التي تكون لتلك العقيدة في المجتمع. وثمة تعريف آخر للتزمت، وهو عدم توفر قدر كاف من الانفتاح الفكري وسط محيط اجتماعي وطبيعي. وتعريف ثالث للتزمت، وهو تعريف ذو صلة بالتعريف الثاني، هو عدم التفاعل بين الانسان ذي العقيدة ومحيطيه الاجتماعي والطبيعي. هذه التعاريف تبين ان مفهوم التزمت لا يقتصر على المجال الديني ولكنه يشمل كل مجالات الحياة. ويختلف الناس المتزمتون بعضهم عن بعض في مدى هذا التزمت. ومن الامثلة على التزمت التزمت العلمي التكنوقراطي السائد في عدد من البلدان الغربية المتقدمة النمو. ومفاد هذا التزمت ان العلم، حسب تصور متطرف وبال عن العلم، يستطيع ان يوفر الحلول لكل المسائل والمشاكل وان عن طريقه يمكن الوفاء بكل الحاجات البشرية. وهذا تصور خاطيء. فعلى الرغم من ان العلم اسهم في تقدم البشرية فانه لا يملك العصا السحرية لحل جميع المسائل والمشاكل وللوفاء بكل حاجات البشر. ولنشوء التزمت اسبابه التاريخية والاقتصادية والسياسية والنفسية. وهذه الاسباب متشابكة ومتداخلة. ولا تمكن معرفة ظاهرة التزمت دون معرفة اسبابها الجذرية. ويشكل التزمت خطرا كبيرا على حياة البشر وامنهم ورفاههم. ويؤدي الى نتائج ضارة منها نشوء الصدام بين الجماعات والامم والثقافات. ويقلل التزمت انفتاح البشر بعضهم على بعض وانفتاح الثقافات والحضارات بعضها على بعض. واحيانا يكون المتزمتون حبيسي تزمتهم، وذلك لعدم انفتاحهم على فكر ومواقف الآخرين. ـ استاذ العلاقات الشرق اوسطية ـ الولايات المتحدة