تأكد أن خطاب الرئيس الأميركي جورج بوش الابن في 24/6 الماضي، الذي تضمن رؤيته للتسوية في الشرق الأوسط، كتب وأعيدت صياغته وصحح 28 مرة. وقد فسر البعض هذا الأمر بالتروي والتمهل ودقة القضية موضع الرؤية وفطنة بوش إلى حساسية ما هو بصدده وتأثيرة بعيد المدى على مصالح أطراف كثيرة، إقليميا ودوليا. غير أن هذا التفسير ربما أمكن قبوله منطقيا فيما لو كان الرئيس الأميركي يقترب من قضية مستجدة طارئة ، تحتاج إلى إستجلاء كنهها والتعرف على أبعادها وسبر أغوارها وقياس تداعيات رؤيته على ذلك كله ونحوه.وهي حيثيات لا تتوفر لحالة «الشرق الأوسط» أو قضية فلسطين، التي أرهقت تفاعلاتها الآفاق العالمية وكانت في قلب الأحداث الدولية وشواغل الإدارات الأميركية المتعاقبة على مدى قرن ونصف. التفسير الأكثر مقبولية ومعقولية لهذا التردد والمراوحة، هو الذي ينطلق من طبيعة الرئيس بوش ذاته ونوعية إدارته ومنظراته للقضايا المطروحة عليه دوليا، ، فهو يتحرك إزاء هذه القضايا والمجال الدولي عموما، كمن يواجه عالما جديدا في كل شئ ،ومطلوب منه بحكم موقعه ومكانته وطاقاته اللامحدودة على الفعل، أن يعيد ترتيب هذا العالم، عازفا عن الخبرات، المتراكمة من قبل، ومن أيات هذا الطرح في مقامنا أن رؤية بوش الشرق أوسطية أو الفلسطينية لم تأت على شكل إستراتيجية أميركية ثابتة واضحة في خطوطها العريضة، وتم تعديلها وتهذيبها كي توفق بين مطالب الأطراف المتعارضة بشئ من التوازن، الذي حدث غير ذلك بالمرة. وهو أن بوش بدا كمن يسعى إلى تكوين إستراتيجية من عدم، عبر التجميع العشوائي لمقترحات سمعتها أذنه من هنا وهناك. ومن المؤكد أنه بهذا الأسلوب ضل طريقه تماما. والدليل أن خطابه بدأ وإنتهى بدون أن يتضمن «مشروعا» محدد المعالم تجاه القضايا المطروحة وخلا من آليات التطبيق والجداول الزمنية. ناهيك عن التطرق إلى عدم التوازن الصارخ بين الإستحقاق المطلوب من الأطراف المعنيين لصالح الطرف الإسرائيلي. نود القول إن افتقاد مشروع التسوية في رؤية بوش، يوحي بغياب البعد الاستراتيجي بالمعنى الحرفي عن سياسة إدارته تجاه الشرق الأوسط. وهذه نقيصة كبيرة لا تليق بإدارة الدولة العظمى الوحيدة في عالمنا الراهن، فسياسات الدول العظمى لا تبني على السمع وحده، وإنما تنطلق من إدراك عميق يتشكل بكل الحواس ويحتكم إلى العقل والمنطق والسوابق وإحتمالات إرضاء مصالح الآخرين من غير تفريط في المصلحة الذاتية. لكن سياسة واشنطن الشرق أوسطية، الفضفاضة وغير المتوازنة التي تعاني من عوار الرئيس الأميركي وقلة إعتداده وضحالة معرفته بتعقيدات البيئة الدولية وأعبائها ،وقياسة للأمور بمعايير الداخل الأميركي حيث الحفاظ على المنصب يعلوا على أي هدف آخر كما هو حال الزعماء في جمهوريات الموز هذه السياسة لا تقف بخصائصها ونقائضها متفردة. إنها مجرد نموذج لورطة الدولة العظمى حين تسوق الأقدار إلى زعامتها رجلا مثل بوش الصغير فلنتأمل بعض النماذج الأخرى. أولا: ظن الرئيس بوش أن أسلافه في واشنطن أخطأوا بتغلغلهم في شؤون الصراع الصهيوني العربي ، وقرر الاعتكاف عن هذه المعمة فور وصوله للبيت الأبيض، لكنه لم يلبث إلا قليلا حتى وجد أنه مكره على الإنجرار إلى هذه الشئون غداة 11 سبتمبر وتوابعه. ومع ذلك فإنه منذ ذلك اليوم راوح بين الإقدام والاحجام لا يكاد يهتدي إلى معالجة ثابتة بهذا الخصوص. ولاشك أن قضية بحجم هذا الصراع وما يرتبط بها من مصالح، حتى بالمفهوم الأميركي الضيق، لا تحتمل مثل هذه الموقف أو السياسة القلقة الرجراجة قصيرة النظر. ثانيا: بعد أحداث سبتمبر بدا بوش كمن عثر على ضالة لإدارته، متخذا مما يدعى بالإرهاب الدولي عدوا، وراح يقسم العالم كله بحسب موقفه من هذا العدو الشبحي. لأن الإرهاب كمفهوم وبنية هيكلية وسياسية يبدو عصيا على التشخيص، فقد أوقع بوش الخليقة كلها في لغط وجدال لا أخر لهما، لكن الأهم هنا، أنه زج بالمجتمع الأميركي إلى دائرة الإضطراب والإنشداد بل والخوف، بينما الأصل أن أي زعيم له مقامه ومقام دولته، لا يسعه أن يفعل ذلك لو أنه إستحوذ على شئ من الحكمة، ذلك أن أحدى خصائص الدول العظمى ركون شعبها إلى الإطمئنان والسكنية إستنادا إلى مقدراته عناصر القوة، هذا أو تكون هذه المقدرات عبئا على هذا الشعب لا حافزا له. ولمن يشك في هذه القناعة أن يتذكر كم التحذيرات والتنبهات التي أطلقتها ادارة بوش على الشعب الأميركي خلال الشهور العشرة الماضية، مع مقارنة هذه الأراجيف بالمخاطر الحقيقية المتوقعه أو القائمة ضد الأميركيين! ثالثا: بخطابه المعتمد على مبدأ القوة فوق القانون والحق، والأمن قبل الديمقراطية، أزاح بوش تراثا جهدت الإنسانية قرونا لإقراره، وهو أسقط من ذاكرة العالم التصور الذي ربط مطولا بين الولايات المتحدة وعدد من القيم النبيلة، كالديمقراطية الحقة والمساواة ودولة القانون والنظام والعدالة وملاذ المظلومين. وتفاصيل هذه الخطيئة مما لا يحتاج إلى بيان وتمثيل على الصعيد الدولي. لكن الولايات المتحدة لم تعد حتى بالنسبة لبعض مواطنيها القدامي ممثلة لهذه القيم، ففي الداخل الأميركي من بات لا يستشعر الطمأنينة والأمن الاجتماعي أو السياسي أو العرقي أو الديني على نفسه وجماعته إن بوش يقترب من إغلاق بلاده بالضبة والمفتاح ، حتى لا يكاد يرى منها سوى مظاهر القوة التي تتجول عبر أعالي البحار وتمارس مهامها خارج القوانين والأعراف والمواثيق المتعارف عليها. رابعا: يتحدث بوش إلى العالم بلغة مفعمة بالأبوية ومضامين الاستعلاء لأنه عادة عاد يوشي أحاديثة بمعاني القوة والردع ويظهر بمظهر من يتحسس صواريخه ومعالم قوته العسكرية بدون إستثناء الهاجس النووي، فإنه يثير الغضب والخوف في مستمعيه. ومنهم من يخشى أن يتحول بين عشية وضحاها إلى هدف متوقع لمنطق القوة الأميركي هذا بمجرد الشبهة في معارضته لواشنطن في هذا الشأن أو ذاك. والحق أن أجواء الاضطراب من الغلو الأميركي في عهد بوش، لا تطال فقط من يصفهم سيد البيت بمحور الشر بل تتعلق أيضا ببعض الأصدقاء والحلفاء. وبالمناسبة، فإن الحليف الإسرائيلي وحده يتفرد بالكلمة المسموعة دون معقب لدى بوش، قياسا حتى بالأوروبيين! هذه بعض سوءات قيادة بوش الكثيرة. ولو أننا أمعنا الملاحظة وأسهبنا في النمذجة وإستحضار الأمثلة، لحق لنا الإشفاق على الدبلوماسيين وبقية جوقة العاملين في رحاب إدارة هذا الرجل فهؤلاء في حقيقة الأمر بحاجة إلى ملكات فوق طبيعة للدفاع عن سياساته، القريبة من حالة الهوس واللامنطقية، ومع ذلك كله، فإن بوش يرى أن شعوب العراق وفلسطين وإيران وكوريا الشمالية وكوبا وغيرهم.. يستحقون غير نظمهم وزعمائهم.. ترى هل سأل الرئيس الأميركي نفسه خفية عما إذا كان هو الرجل الجدير بزعامة الولايات المتحدة. ـ كاتب فلسطيني ـ القاهرة