الحديث عن التغيير الأميركي في العراق ليس جديدا. فهذه سياسة أميركية ثابتة منذ قرابة عقد من الزمان، شهدنا أثناءه (أي هذا العقد) محاولات ، في هذا الاتجاه بعضها جدي كما حدث في شمالي العراق عام 1996، وبعضها الآخر مجرد حملة تخويف وضغط نفسي. أما عودة المفتشين الدوليين إلى بغداد وبضمنها تنفيذ باقي قرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة بحرب الخليج، فهي تفاصيل ضمن هذه السياسة. الجديد في الأمر، إذا كان ثمة جديد حقا، هو ربط التغيير في العراق هذه المرة بالحرب الأميركية على الارهاب، وتاليا بالأجندة الأميركية الخاصة بمستقبل المنطقة العربية. بمعنى اتخاذ هذا التغيير مدخلا لإعادة ترتيب باقي أوراق المنطقة، في اتجاه يخدم هدف الحملة المناهضة للإرهاب. ورغم عدم وجود رابط بين العراق والهجمات الإرهابية على الولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر، أو بين الحكومة العراقية وتنظيم القاعدة وباقي الجماعات الأصولية، إلا أن من شأن تغيير النظام في بغداد والإتيان بحكومة موالية لواشنطن، أن يضعف القوى العربية (وربما غير العربية) في المنطقة التي تتصور أن بإمكانها مواصلة مقاومة السياستين الأميركية والإسرائيلية. ويكتسب الحل الذي طبق في أفغانستان جاذبية خاصية بالنسبة لصناع القرار في الإدارة الأميركية، بما يغري تكراره في حالة العراق دون المجازفة في الوقت نفسه بمخاطر كبيرة. فالحكومة العراقية منهكة بفعل 12 عاما من الحصار المتواصل، في حين يعيش الشارع العربي متاهة وإحباطاً كبيرين بعدما جرى في الأراضي الفلسطينية. الأمر الجوهري الآخر هو أن ثمة مخاوف حقيقية من الغموض الذي يلف الخطط الأميركية، ليس بشأن العراق فحسب، وإنما بشأن المنطقة عموما. فليس هناك أي تصور أو رؤية واضحة عن طبيعة هذه الخطط وأبعادها. ولا يوجد لدى العواصم المعنية ما يكفي من المعلومات لتوقع المنحى الذي سوف تتخذه أو الحدود التي ستقف عندها. وما إذا كانت الإدارة الأميركية ستكتفي بتغيير النظام في العراق وإنشاء حكومة بديلة أم تعتبر ذلك قاعدة يتأسس عليها النظام الإقليمي القادم! وتبين الطريقة التي تصرفت بها إدارة الرئيس جورج بوش حتى الآن مع الملف الفلسطيني أنها تتعامل بفوقية جامحة مع الحكومات العربية ولا تراعي حساباتهم الداخلية أو تتوقف عند مخاوفهم. وقد حدد بوش في خطابه الأخير بوضوح نوعية المطالب التي تنشدها واشنطن من هذه الحكومات، ملخصة في محاربة الجماعات الفلسطينية واللبنانية المسلحة وإدانة العمليات الانتحارية، بما في ذلك الدعوة إلى وقف التحريض على العنف في وسائل الإعلام الرسمية أو تقديم أي مساعدة مالية للفلسطينيين. وهذا يعني أن الثنائية التي باتت تحكم الموقف الأميركي (مع الإرهاب/ ضد الإرهاب) فيما خص تنظيم القاعدة، و (مع العمليات الانتحارية أو ضدها) فيما خص الموضوع الفلسطيني، قابلة للتطور في حالة العراق لتصبح (مع محور الشر/ ضد محور الشر) .. الخ. وفي جميع هذه الحالات انفردت الإدارة الأميركية بصياغة المفاهيم وتحديد إيقاع الحركة ووضع الأهداف وطرق التنفيذ وشكل الإخراج السياسي والإعلامي. ولم تترك لأحد شيئا يمكنه الاعتداد به. ولذلك يتساءل اليوم بعض المسئولين العرب: الى أي كهف سوف تجرنا السياسة الأميركية، وإلى أين ستصل بنا الحرب على الإرهاب؟ إنهم معذورون في طرح هذه التساؤلات رغم معرفتهم الأكيدة بأنهم لن يحصلوا على أي إجابة. فالمطلوب منهم أن يحددوا أولا ما إذا كانوا مع الولايات المتحدة أو ضدها، وما يتبقى بعد ذلك فهو مجرد تفاصيل حري ألا يشغلوا أنفسهم بها. كاتب من البحرين