لم يكن مصادفة ولا مجرد نوستالجيا ـ حنين إلى مشاهد الصحراء الرومانسية ـ أن اختارت مجلة الايكونوست الجمل ـ نعم البعير ـ شعارا أو لافتة أو رمزا للموضوع ، المسهب الذي أو سعت له حيزا كبيرا من صفحاتها لكي تنقل إلى قارئها بمنهج العرض والتفصيل والتحليل مضمون أحدث وثيقة صادرة عن أحوال العالم العربي، نعني التقرير الذي سبقنا إلى الحديث عنه في الجزء الأول من هذا المبحث.وقد وصفناه بأنه تقرير التنمية البشرية العربية مستخدمين في ذلك المصطلح المعتمد في أدبيات منظمة الأمم المتحدة التي ندعي أننا على دراية بما تستخدمه من تعبيرات ومصطلحات، سواء بحكم سنواتنا الطويلة من العمل في خدمتها أو بحكم السنوات العشر التي أصبحت تشكل عمر تقرير التنمية البشرية الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الانمائي في نيويورك منذ أن أرسى معالمه ـ على نحو ما ألمحنا آنفا ـ الاقتصادي المسلم البروفيسور محبوب الحق عليه رحمة الله. إنسانية بدلا من بشرية وها نحن نصحح أنفسنا في ضوء المصطلح الذي وقع عليه اختيار الاساتذة العرب الذين عكفوا على اعداد التقرير العربي واختاروا أن يسموه تقرير التنمية الإنسانية ـ بدلا من البشرية ـ وربما ارتأوا أن مصطلح الإنسان والإنسانية أقرب إلى الفهم والوجدان العربي، وربما أقرب إلى منظومة التنمية العربية وأهدافها المرتجاة أو المتوخاة حيث يقول أول هذه الأهداف ـ كما قد لا يخفى عليك ـ ان الإنسان هو صانع التنمية وهو أيضا مناطها ومحورها في التحليل الأول والأخير. وإذا كنا قد ألمحنا إلى أن التقرير لم يكن قد نال بعد ما يستحقه من اهتمام جاد ومتعمق من الميديا العربية المشغولة ـ كما لعلك تدري ـ بمتابعة أخبار نجوم الفن والكرة والأزياء بشكل لاهث وبتفصيل غير محسود ـ فقد أدلى بنفس الملاحظة كاتب رصين آخر هو الأستاذ سلامة أحمد سلامة «الأهرام عدد 1172002» وهو يرصد نفس الظاهرة من العاصمة الأميركية واشنطن قائلا بالحرف: «والمدهش في الأمر أن اهتمام وسائل الاعلام ومراكز الدراسات الغربية بالتقرير كان أكبر حظا وأصدق تناولا بالنقد والتمحيص مما لقيه التقرير من تجاهل في العالم العربي». ضرورة التحليل النقدي ولقد نضع أكثر من خط تأكيدي وربما تحذيري أو تحوطي تحت حكاية النقد والتمحيص. فما نظن أن في الأمر ما يفيد اذا ما تسابقت فضائياتنا اليعربية الغارقة في عسل الدعة وبلهنية الرضا الموهوم عن الذات ـ لكي توسع التقرير كلاما هو أقرب الى «طق الحنك » أو عرضا هو أدنى الى أسلوب الاستعراض أو ابراء الذمة. المطلوب هو صراحة التناول وموضوعية التحليل، فالتقرير العربي حافل بأرقام موجعة واحصاءات صاعقة وحقائق تطلب التوقف عندها في تأمل وتدبر أمين مع النفس ومع الناس قبل أن نطرق من بعد أبواب الخروج من المأزق حتى لا نقول مسالك الحلول. ها هي الايكونومست وقد سبقت ـ كما أسلفنا ـ الى تحليل التقرير العربي وها هي تنشر موضوعها وتختار له عنوانا تقول فيه ما معناه: الذين اختاروا بأنفسهم أن يسيروا في طريق الدمار أو ما معناه: كتبوا على أنفسهم أن يفشلوا ـ ومن فوق العنوان المكفهر الكئيب تنشر المجلة الانجليزية صورة الجمل تدب خطاه على أديم البرية.. لا يحمل على متنه شيئا ويسحبه صاحبه وقد طأطأ رأسه التي يلفها العقال بينما تلوح في خلفية الصورة مساحات من مياه بحر وقد طلعت هنا وهناك رؤوس بعض السابحين.. والصورة كلها أقرب الى ظلال السلويت.. بغير ملامح محددة ولا سمات ظاهرة. ولكنها في مجمل تكوينها أو تشكيلها توحي بأن المسيرة انما تمضي الى طريق مجهول. جماعة بحث قومية ®. أو هكذا رسمت معالم الصورة أقلام وبحوث هذه الكوكبة من الاساتذة العرب من علماء التنمية والاقتصاد والسكانيات والتخطيط ®. يكفي أن نذكر أن منهم جورج قرم وكلوفيس مقصود من لبنان ومحمد محمود الامام وسيد ياسين ونبيل علي من مصر ومعن الخالد من فلسطين ومحسن العيني من اليمن فضلا عن نادر فرجاني الذي أشرف - كما ذكرنا سلفا ـ على اعداد وتحرير واصدار هذه الوثيقة بكل ما تنطوي عليه من أهمية بل وخطورة، ولعل أهم ما تتميز به هذه الكوكبة من الأساتذة العرب هو ما لاحظه الدكتور فتحي عبد الفتاح «الجمهورية القاهرية» ـ «عدد1172002» من أنهم «يمثلون اتجاهات فكرية ومدارس سياسية مختلفة وان كان الاتجاه القومي التنويري هو السائد بينهم». وربما كان الاستاذ محمد حسنين هيكل أسبق من أفاد من محتويات التقرير حين طالع المشاهدين في آخر أحاديثه المتلفزة منبها الى حقيقة قد تكون بديهية ولكن ينبغي أن يعرفها كل مثقف أو كل انسان عربي مهموم بالشأن العام في بلده الصغير أو في الوطن الكبير وهي: أن بلدا أوروبيا واحدا مثل أسبانيا، حتى لا نقول انجلترا أو ألمانيا أو فرنسا مثلا وصل حجم ناتجه الكلي في عام 1999 الى مبلغ 595 مليار دولار أي بزيادة 64 مليار دولار على مجموع دول العالم العربي ـ وهي في عين العدو 22 دولة ـ ويزيد من فداحة المقارنة الحقيقة البديهية التي تقول ان أسبانيا لا يزيد عدد سكانها على 40 مليون نسمة في حين أن العدد السكاني في الليمون كما يقولون في وطن اليعاربة بلغ سكانه 280 مليون انسان ولم يستطع سوى انجاز ناتج اجمالي بحجم 531 مليار دولار بما في ذلك ـ حتى لا ننسى ـ منتوجات النفط. ولقد يقال على سبيل التحدي، والتحدي بداهة مطلوب أو مندوب اليه: وما له ـ البشر ثروة والانسان يمكن استثمار ناتج عمله ليصنع ما يشبه المعجزات. وهذا كلام حقيقي ومفيد شريطة أن ينكب هذا الانسان على العمل الحقيقي، بل وأن يكون من شأن ادارة منظومة الاقتصاد الوطني والقومي أن تتيح لهذا الانسان سبيل التعليم السليم والتدريب البناء ومن ثم فرص أن يعمل وينتج ويبدع ويضيف. تدني انتاجية العرب لكن الصورة على عكس ذلك تماما على نحو ما يوضحه ـ بالأرقام ـ تقرير التنمية الانسانية في الوطن العربي. و®. خذ عندك ®. زمان - في عام 1960 كان معدل الانتاجية لدى العامل العربي أعلى من نظيره لدى العامل الكوري. وعلى مدى السنوات الأربعين الماضية ظل عائد وناتج العمل العربي في حال من التراجع فيما ظل ناتج العمل الكوري في حال من الزيادة والاطراد ®. تأمل من ثم تصميم الشعب الكوري على أن يعمل الى نهائيات كأس العالم®. والمسألة ليست لعب كرة ولا مجرد ترفيه أو دعاية.. هي مسألة أن يأخذ الناس أنفسهم بالجدية وأن يتمسكوا بسلوك الانضباط وأن يتقنوا ما كلفوا به من مهام وينجزوا ما أوكل اليهم من أعمال، يستوي في ذلك انتاج موتور سيارة كورية أو انتاج لاعب فوتبول كوري أو لاعبة جمباز كورية ..والمسألة أيضا ليست مجرد الارتكان الى مهارات الأفراد أو مواهب الأفراد ®. العالم العربي حافل بمهارات أفراد نوابغ نعتز بهم في المشرق أو المغرب لكن المسألة هي النظر الى الجماعة في شمولها ومجمل حركتها، فالجماعة ـ وليس الفرد ـ هي صانعة التقدم وهي ركيزة التنمية وتشجيع الفرد الموهوب ينتج ابداعا لفرد لكن فن الادارة العلمية لطاقات الجماعة هو الذي ينقل الشعوب من حال الى حال . وفن الادارة العلمية هو الذي يدفع الى جدية التعامل من حيث الانفاق والترشيد مع جوانب الصحة، والتعليم والتدريب والبحث والتطوير في مضمار العلم والتكنولوجيا.. هو الذي يفجر طاقات الشباب ويؤدي الى المزيد من تمكين المرأة . ولا عليك ـ أرجوك ـ من شعاراتنا التي نرفعها كعرب حول منجزاتنا ـ دع عنك حول ماضي حضارتنا الذي كان مشرفا بالفعل لكن مازال يصدق عليه فعل «كان» الذي طواه بالضرورة بين زوايا الماضي الذي اندثر ولن يعود. انفاق شحيح على العلم نحن يا سيدي ننفق على أغراض العلم والبحث والتكنولوجيا والمعلومات والمعارف نسبة لا تكاد تصل الى واحد ونصف في المائة من الناتج القومي فيما النسبة المعتمدة والمحترمة في العالم هي ثلاثة في المائة وفيها بالطبع كل زيادة لمن يستزيد. وفيما يحوم معدل الانفاق العالمي في مجال صحة السكان حول نسبة 11 في المائة فان العالم العربي لا ينفق على صحة الناس - البشر الا نسبة 37 في المائة فقط لا غير طبعا الأرقام والمعدلات تتراوح صعودا وهبوطا - معقولية وتدنيا من قطر الى آخر، لكن الحديث في التقرير التنموي يدور حول وطن عربي موحد أمام الخطر وبالمصير، والعالم الخارجي يتعامل معه بوصفه كيانا موحدا على هذا النحو . ولسنا ندري كيف لا نداري كسوفنا أمام شعوب العالم فيما لا يزال يعيش بيننا 65 مليون انسان أمي في العالم العربي وحيث نسبة الأمية اليعربية هي للأسف - الأعلى أو من بين أعلى نسب الجهل بمجرد القراءة والكتابة «35 في المائة بين الرجال ونحو 50 في المائة بين النساء» ونحن أمة قامت عقيدتها على أساس كتاب وأول الفاظ هذا الكتاب هو « اقرأ». والترجمة أيضا وبمناسبة القراءة والكتابة. وهما الطريق الذي لا غنى عنه لكي نعلم ونفهم وننمو ونتحضر والترجمة جسر لا غنى عنه بدوره لكي نعرف ما عند الآخرين وقد كانت كذلك ابان عصور العباسيين وعلى مهادها تحولت الثقافة العربية من حيث النقل والتأثر الى حضارة التأصيل والتأثير والابداع. ومع ذلك فالصورة في مجال الترجمة مازالت مؤسفة وسلبية الى أبعد الحدود. أمامنا مثلا كتاب الترجمة في الوطن العربي صادر عن مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت في أوائل عام 2000 وفي غمار الاحصاءات التي أوردها عن حال الأعمال الفكرية الصادرة تأليفا وترجمة في الوطن العربي®. يسترعي الانتباه احصائية تقول: في عام 1992 بلغ مجموع اصدارات التأليف والترجمة في العالم العربي كله «250مليون نسمة» 6759 اصدارا فيما كان الرقم المقارن في أسبانيا «39 مليون نسمة» أيامها هو 41816 وفي اسرائيل «45 ملايين» هو 4608 والمعنى أن المسألة ليست مجرد أمية أبجدية الالمام بالحروف فقط بل هي أمية فكرية وثقافية ومعرفية أيضا فها نحن - اليعاربة الميامين ـ لا ننتج من كتب التأليف والترجمة سوى سدس ما تنتجه أسبانيا. والاحصائية كما رأيت عمرها الآن عشر سنوات ومن المشكوك فيه أن تكون قد تحسنت الأمور ـ ان لم تكن قد تدهورت خلال ذلك العقد غير السعيد بحال من الأحوال . ومن عجيب أن الايكونومست تسجل لأمة العرب أنها كانت تقود العلم يوما في مضمار العلم والمعرفة. بل تحيل المجلة الاقتصادية الانجليزية الى قول مأثور تنسبه الى الأمام علي كرم الله وجهه ومفاده «اذا سخط الله على عبد أو اذا أراد الله أن يذل عبدا من عباده حرمه من نور المعرفة» ومع هذا كله تعود الايكونومست فتحيل الى تقرير التنمية الانسانية العربية الذي يسجل للأسف مدى تخلف الانسان العربي عن سير العلم وعن تكنولوجيا المعلومات الآي تي كما أصبحت تعرف في انحاء العالم بأسره كيف لا والعرب الذين يتعاملون مع شبكة الانترنت المعلوماتية تبلغ نسبتهم نحو نصف في المائة من مجموع جهاز الحاسوب عن 12 من مجموع السكان . ليس نهاية المطاف نبادر فنقول ان التقرير الذي نعرض له في هذه السطور المكثفة ليس كلاما منزلا ولا فيه القول الفصل ولا الحكم البائن أو الأخير ـ هو اجتهاد صادق لمجموعة من علماء العرب وقد يكتسب أهميته من أمانة ما يطرحه.وقد يكون فيما يطرحه ما يؤلم ويوجع فنحن بازاء أمة تكاد تغيب عن دورها المطلوب واسهامها الواجب في مسيرة عالمها ومصائر عصرها . ولا ينبه الأمم سوى قارعة تصارحها بسوء الأوضاع ®. أو مكاشفة تقوم على شفافية المصارحة قبل أن تجامل أو تداهن أو تحاول ستر العيوب، المصارحة من منطلق الأمانة العلمية هي أول الطريق . وهذه ـ في رأينا ـ هي القيمة الأساس في تقرير التنمية الانسانية العربية الذي نطمح الى أن يحتل موقعه من بؤرة الاهتمام لدى كل مفكر أو مثقف أو راسم سياسة أو صانع قرار في وطننا الكبير. ـ كاتب سياسي من مصر