رغم كثرة الاسماء الغريبة لمحلات البقالة في عالمنا العربي، الا انه من المستحيل ان يجرؤ شخص واحد على تسمية دكانه بالعنوان السابق.. لكن الاوضاع العربية حصلت على هذا الترخيص بكل سهولة.. كيف؟ جميعنا يعرف مدى روعة وجمال الاغنيات التي كتبت وغنيت عقب هزيمة يونيو الشهيرة، تلك الاغاني التي سطرها شعراؤنا باقتدار شديد، وحساسية مرهفة، وبشعور ارتقى فعليا الى الاحساس بمسئولية اعادة شحن الروح المعنوية للشعب العربي وترميم الانكسار الذي عصف بالجميع.. وكنا نعرف ان الابنودي وبليغ حمدي، وعبدالحليم حافظ يعيشون حالة من الاعتكاف والاستنفار في مبنى ماسبيرو وكأنهم في صراع خفي ومرير ضد الشعور بالذل والمهانة.. لكن ما يلفت النظر ان قوة الكلمات وعبقرية الموسيقى، وعظمة الاصوات وهي تناضل بحنجرة تدك معاقل اليأس لدى الانسان العربي، لم تمتلك نفس الاداء والروح ابان انتصار حرب اكتوبر 1973، فكانت الكلمات باهتة، والالحان ضعيفة وسطحية، والاصوات هزيلة تفتقد الى المتعة والادهاش، لاشعار الناس بدوي هذا النصر. في المقابل نجد ان الأدب لم ينج من هذه المعادلة المحيرة، حيث انتعش ادب المقاومة، وصارت قصيدة امل دنقل «لا تصالح» حتى الآن، نبراسا لكل رافضي التطبيع وفرخت الاوضاع السياسية المهينة عشرات الشعراء والروائيين، وكتاب النعي السياسي، فضلا عن جحافل النائحين.. بالطبع لسنا ضد هذا، فالابداع بكل تمظهراته احد وسائل المقاومة النبيلة.. لكننا في الوقت نفسه لم نسمع نصا واحدا يطربنا بأول انتصار عربي منذ ثمانية عشر عاما، وهو تحرير جنوب لبنان من دنس بني صهيون، لم نقرأ قصيدة واحدة تبهرنا وتدغدغ مشاعرنا عن دحر حزب الله للقدم الهمجية مثلما امطرنا بالكثير عن الشهيد محمد الدرة، وشهداء فلسطين.. لم تشنف آذاننا بأغنية تشفي غليل المرارة في صدورنا، مثلما انتحبنا من اغنية جوليا بطرس (وين الملايين). اذن المسألة تكمن في ابداع يعشق الهزائم والانكسارات ليعلن عن وجوده وامكاناته والا ما معنى هذا الفشل المريع في تدوين اي انتصار، ولو كان صغيرا، في اجندة الابداع العربي الجميل؟! حالة من الماسوشية (جلد الذات) يعيشها المبدع العربي، حتى احال كل المرارات الى سوبرماركت لا ينفد، يأخذ منه ما يشاء من بضائع سياسية انتكاسية، ليتصدر الصحف والمجلات والتلفزيونات.. ومن هنا حق علينا سؤال، اطمح ان يسأله الجميع لأنفسهم: ماذا يحدث لو تحررت فلسطين، ورمينا باسرائيل في البحر؟ كم شاعر سوف يفلس؟ كم اديبا سوف يختفي؟.. كم كاتبا سوف يعود ادراجه في الظلال؟ وكم مغنيا سوف يتحشرج صوته بهذا التحرير المقدس، ويفقد بريقه؟ كثيرون سوف يتلاشون بعد ان يهزمهم الفرح، ويكشف عن الوجه الآخر لعملتهم الابداعية. اسئلة شتى اخترقت ليلة قراءتي، للمرة العاشرة، كتاب «الزمن المالح» لمؤلفه شاكر النابلسي، حين ذكر في احدى مقالاته ان احد مثقفي البرتغال تمنى ألا يموت «سالازار انطونيو» الديكتاتور الذي حكم البرتغال بالحديد والنار، قرابة 36 عاما حكما مستبدا مطلقا، وعندما سئل هذا المثقف عن سبب هذا التمني العجيب، اجاب: حتى نظل نحن المثقفين في صراع دائم لاثبات وجودنا، وفي ممارسة يومية نضالية.. وكأن الصراع لا يكون الا مع العدو الخارجي فقط. علينا ان نعترف ونقر ان قضية فلسطين هي الوقود الحقيقي، والعدو المكشوف لاستمرار اشياء كثيرة، وكائنات اكثر، هي سوبرماركت المتبادعين، وانصاف السياسيين.. وهلم جرا وان غدا لناظره قريب!!