طوال عقود القرن الماضي انشغل الفكر العربي بقضايا النهضة المتمثلة بالتحرر من السيطرة الخارجية ولاسيما من الاستعمار الغربي، والتخلص من الاستبداد وتحديث أنظمة الحكم، وتحقيق نهضة في التعليم للارتقاء بمكانة الانسان عموما والمرأة خصوصا، والنهوض بالاقتصاد لاعمار البلاد والخروج من التخلف والفقر وتحقيق العيش الكريم للعباد. وقبل أيام، فقط، أي في أوائل يوليو، أعاد تقرير «التنمية الانسانية العربية» لسنة 2002، الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الانمائي والصندوق العربي للانماء الاقتصادي والاجتماعي، التذكير، مجددا، بهذه البديهيات التي انطلقت منذ بدايات القرن العشرين، لكأنها عاشت معنا طوال قرن كامل، أهدرناه، من دون أن نحقق شيئا يذكر منها! ولا شك بأن استعادة هذه البديهيات، التي تمثّلها فكر النهضة، يعني فيما يعنيه أن الأيديولوجية الثورية، بمعنى القفز على المراحل، قد استهلكت أو تآكلت، سواء بنتيجة قصورها عن رؤية دقائق الواقع أو لاخفاقها في حل القضايا التي أخذتها على عاتقها وهي قضايا: الوحدة وتحرير فلسطين والتقدم الاقتصادي أو الاشتراكية، ما أكد مجددا على أنه لتحقيق التطور والتقدم والتحرر لا بد أولا من تطوير المجتمعات، ذاتها؛ وثانيا، أنه لا بد من التركيز على السياق التدريجي، لا الانقلابي، لعملية التطور التاريخية، هذه؛ وثالثا، أن الطريق لحل القضايا الكبرى لا يمكن أن يستقيم بدون ايجاد حل لما اعتقد، خطأ، بأنه قضايا صغرى، لكونها تخص تطور الانسان والمجتمعات، من جهة؛ ونتيجة لعدم علاقتها مباشرة بالحيز السياسي، الذي استولى على النخب العربية الفاعلة طوال نصف القرن الماضي، من جهة أخرى. اختلالات التنمية وميزة التقرير، المذكور، أنه لم يكتف، كما جرت العادة في تقارير سابقة، بعرض معوقات التنمية البشرية من اقتصادية واجتماعية وثقافية، اذ أنه اهتم، أيضا، بتحديد ثلاثة اختلالات جوهرية يعاني منها العالم العربي تتمثل: أولا بنقص الحرية، وثانيا بنقص المعرفة، وثالثا بتدني مكانة المرأة، داعيا الى ضرورة المسارعة لاتخاذ خطوات تتمثل: أولا: باصلاح جوهر الحكم ثانيا: باصلاح مؤسسات الدولة ثالثا: باعلاء صوت الناس، عبر التركيز على القضايا التالية: 1ـ الاهتمام بالعوامل الداخلية للتأخر وعدم تبرير اعاقة الديمقراطية واصلاح الحكم والتنمية الاقتصادية بالصراع العربي ـ الاسرائيلي. وهذا يتطلب، بحسب التقرير، اصلاح جوهر الحكم ومؤسسات الدولة. وطالب التقرير باصلاح مؤسسة التمثيل والتشريع، التي تعتبر حلقة الوصل بين الحكم والشعب، باجراء انتخابات حرة وأمينة ومنتظمة، هذا الى جانب مؤسسة القضاء والقانون التي تضمن الشفافية والمحاسبة ومحاربة الفساد وحرية الرأي والصحافة. 2ـ الربط بين عملية الاصلاح والنهوض الاقتصادي وبين عملية تعزيز المشاركة الشعبية والديمقراطية، في المجتمع، اذ لا يمكن لأي مجتمع أن يتقدم في مختلف الحقول من دون أن يكون الانسان فيه حرا وكريما في وطنه. وبذلك أكد التقرير على تحرير الطاقات البشرية بحيث يكفل القانون والاجراءات الادارية المرتبطة به حقوق الانسان ولا سيما الحقوق المتصلة بحرية التعبير والتنظيم. ومن شروط التقرير لتحرير القدرات البشرية اعلاء صوت الشعب وتشجيع صحافة حرة ومسئولة ومشاركة اكثر فاعلية للناس، والدفع في اتجاه تفعيل الخدمات الأساسية مثل التعليم والرعاية الصحية. 3ـ ابراز دور العوامل الخارجية في اعاقة التنمية والديمقراطية في العالم العربي، من مثل ذلك التحدي الذي تمثله اسرائيل، والحصار المفروض على العراق وتداعيات أحداث الهجوم المدمر على الولايات المتحدة الأميركية في 11 سبتمبر 2001، مع الاهتمام بوضع هذه العوامل في اطارها الحقيقي، من دون مبالغات، الى جانب التأكيد على أن مواجهة التحديات الخارجية تفترض أصلا اصلاح أنظمة الحكم واتاحة الديمقراطية ومحاربة الفساد والاحتكار واعلاء شأن المواطنين في دولة القانون. مع التأكيد بأن اسرائيل تطورت أصلا في ظل الصراع مع العرب، برغم التناقضات السياسية والاجتماعية والثقافية التي تعشعش فيها وبرغم من أن عمرها لا يزيد عن بضعة عقود، ولاسيما وأن اسرائيل لا تتباهى، فقط، بقوة جيشها فهي تتباهى أكثر بمستوى رفاهية سكانها وبديمقراطيتها (بالنسبة لليهود) وبتقدمها العلمي والتكنولوجي وبقوتها الاقتصادية. وعودة الى التقرير فبرغم أنه يلاحظ بأن الدول العربية حققت تقدماً كبيراً في التنمية البشرية، على مدى العقود الثلاثة الماضية، يتمثل بارتفاع العمر المتوقع عند الميلاد بمعدل 15 عاماً، وانخفاض معدلات وفيات الأطفال، وازدياد نسبة الملمين بالقراءة والكتابة، وارتفاع نصيب الفرد من السعرات الحرارية الغذائية ومن الماء الصالح للشرب يومياً، وتراجع نسبة حالات الفقر المدقع، الا أن الأرقام تدلل، أيضا، على حجم الهوة التي تفصل العرب عن انجازات التقدم المتحققة في العالم، في مختلف المجالات. وبحسب التقرير، فقد كان معدل نمو دخل الفرد العربي، خلال العقدين الماضيين، هو الأقل في العالم باستثناء افريقيا جنوب الصحراء، اذ أنه لم يتجاوز نصف في المئة سنوياً، واستمرار هذه المعدل يعني بأن المواطن العربي يحتاج الى 140 عاماً ليضاعف دخله، بينما يستطيع المواطن في مناطق أخرى مضاعفة دخله مرة كل عشر سنوات. وبحسب التقرير فقد بلغ الناتج المحلي الاجمالي لكل البلدان العربية في العام 1999 ما مقداره 5312 مليار دولار أميركي، أي ما يشكل أقل من دخل دولة أوروبية واحدة مثل اسبانيا والتي يقدر ناتجها المحلي الاجمالي بحوالى 5955 مليار دولار. وقد ارتفع الناتج المحلي الاجمالي الحقيقي في العالم العربي بالمعنى المحدود من 2567 مليار دولار في العام 1975، الى 4457 مليار دولار في العام 1998. أما انتاجية العامل الصناعي العربي فهي منخفضة ويترافق ذلك مع تدهور الأجور ما يفاقم من حدة الفقر. ويقدر التقرير حجم البطالة في الدول العربية بحوالي 12 مليون عاطل من العمل عام 1995، أي ما يوازي 15 في المئة من قوة العمل، ويتوقع أن يصل عدد العاطلين الى نحو 25 مليوناً سنة 2010. ويشير التقرير بأن كل واحد من بين خمسة أفراد عرب يقل دخله عن دولارين في اليوم، وثمة 65 مليون أمي ثلثهم من النساء، كما لوحظ انحسار في فرص التعليم والتعلم. ويبدي التقرير قلقاً تجاه الشباب العرب الذين يشغلهم تأمين فرص العمل والتعلم، وما يزيد القلق أن 51 في المئة من المراهقين صرحوا برغبتهم في الهجرة لعدم رضاهم عن الأوضاع الحالية والفرص المستقبلية في بلدهم الأم. نقص المعرفة ويعد تمويل البحث العلمي في العالم العربي من أكثر المستويات تدنياً في العالم، اذ يبلغ معدل الانفاق العلمي نسبة الى الناتج المحلي 014 في المئة فقط في العالم العربي عام 1996 في حين أنه يبلغ 253 في المئة عام 1994 في اسرائيل، و29 في اليابان. أما الاستثمار في البحث والتطوير فهو اقل من سبع المعدل العالمي، كما أن استخدام المعلوماتية في الدول العربية أقل من أي منطقة أخرى في العالم، اذ لا تتجاوز نسبة مستخدمي انترنت 06 في المئة ويملك 12 في المئة فقط من المواطنين العرب حاسوباً شخصياً. ويبلغ النقص في الانتاج الفكري والابداع في العالم العربي حدا كبيرا فمجموع ما يترجمه العرب من الكتب 330 كتاباً سنوياً، وهو خُمس ما تترجمه اليونان، وخلال الألف سنة الماضية، ترجم العرب من الكتب بقدر ما ترجمته أسبانيا في سنة واحدة؟. والنتيجة يصل التقرير الى حقيقة مفادها أن النقص في المعرفة والحريات يكبل الطاقة الابداعية للعقول وأن الثقافة والقيم هما روح التنمية، وأن التنمية الانسانية هي تنمية الناس ومن اجل الناس ومن قِبَل الناس. وفي هذا الصدد تبدو المقارنة مع اسرائيل ليست في صالح العرب، من مختلف الوجوه، اذا تجنبنا العوامل المتعلقة بالمساحة وعدد السكان والتاريخ والثقافة وأيضا الثروة النفطية، وهي عوامل تؤكد، من الجهة الأخرى، حجم الاخفاق العربي في مقابل النجاح الذي حققته اسرائيل: قليلة العدد صغيرة المساحة والتي تفتقد للعمق الحضاري ـ الثقافي. ويمكن العودة،مثلا، الى أبحاث الندوة التي عقدها مركز دراسات الوحدة العربية في العام 1999، وصدرت في كتاب عنوانه: «العرب ومواجهة اسرائيل»، ففي هذه الندوة مثلا ذكر يوسف صايغ في دراسة له بأن الدخل القومي للفرد في اسرائيل تضاعف 26 مرة خلال نصف قرن برغم ارتفاع عدد سكان اسرائيل أكثر من سبعة أضعاف، وفي حين أن نصيب الفرد العربي من الناتج المحلي يبلغ 1600 دولارا (1999) بلغ نصيب الفرد الاسرائيلي 12 ألف دولار، من الناتج المحلي، في العام المذكور! أما أنطوان زحلان فعرض في دراسته مجموعة من المعطيات منها أن الناتج المحلي لاسرائيل في العام 1997 بلغ ما مجموعه 98 مليار دولار أي حوالي 20 بالمئة من الناتج المحلي للوطن العربي، وأنه قد يصل، في العقد أو العقدين القادمين، الى حوالي 40% منه. وأن صادرات اسرائيل بلغت 621 مليارات دولار ثلثها من السلع المعدنية والآلات والالكترونيات. واستنتج زحلان بأن الاخفاق العربي ينبت من الداخل من الجهل والفساد والمحاباة، وافتقاد الادارة الجيدة. وأشارت دراسة نادر فرجاني الى ازدياد صادرات اسرائيل من المواد الالكترونية من مليار دولار عم 1986 الى 6 مليارات دولار عام 1999. ويرى فرجاني بأن اسرائيل تتفوق على العرب عشر مرات في عدد العلماء وأكثر بثلاثين مرة في الانفاق على البحث والتطوير وأكثر من خمسين مرة في وصلات الانترنيت وأكثر من سبعين مرة في النشر العلمي وقرابة ألف مرة في الاختراع. وبحسب منظمة الاتصالات العالمية فان عدد المشتركين بشبكة الانترنيت، في منطقة الشرق الأوسط، بلغ مليون ومئة ألف، عام 1999 نصفهم في اسرائيل، وخلاصة الأمر أنه وطوال أكثر من نصف قرن ظل العرب ينظرون الى تفوق اسرائيل من ناحيتي التفوق العسكري وعلاقتها بالغرب وخصوصا بالولايات المتحدة الأميركية، في حين جرى التغطية على أوجه التفوق النابعة من العوامل الداخلية لهذه الدولة. وفي معظم الأحوال فقد استمرأ النظام العربي التذرع بحالة الصراع مع اسرائيل لتبرير العجز عن النهوض بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية واسكات المطالب المتعلقة بالديمقراطية والمشاركة الشعبية. ولعل فشل النظام العربي في اللحاق بمستوى القوة العسكرية الاسرائيلية، لأسباب خارجية، يستدعي من هذا النظام السعي لمراجعة أوضاعه الداخلية وتحفيز عوامل نهضته الاقتصادية والعلمية والثقافية ليس من أجل مواجهة التحديات التي تفرضها اسرائيل فحسب، وانما من أجل حاضر العرب ومستقبلهم. أخيرا كل الشكر والتقدير للجهات التي ساهمت باخراج هذا التقرير الموضوعي والنوعي، وشكرا للمفكرين الذين قدموا بروح علمية وقومية، مسئولة، جهدا ينبغي للمسئولين العرب أن يضعوه على رأس جدول أعمالهم لدراسته واستنباط العبر المهمة منه، قبل فوات الأوان، لاصلاح نظام الحكم وتعزيز مكانة الانسان المواطن: في الحرية والتعليم والعيش الكريم، وصولا لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية ومواجهة التحديات الخارجية بطريقة أكثر نجاعة وكفاية. ـ كاتب فلسطيني