افريقيا مقبلة على مرحلة دولية جديدة ارادت ان يكون لها فيها مكان ودور تلعبه وتحافظ فيه على مصالحها، ولم لا تشارك في صنع القرار الدولي.. هذا ما اراده قادة الدول الافريقية الذين يظهر انهم عقدوا العزم على ان يجعلوا من افريقيا قارة يحسب لها الف حساب في عالم التكتلات والتجمعات الكبيرة. لقد توصل القادة الافارقة الى قناعة وحقيقة هي انه عليهم ان يغيروا من اسلوب عملهم اذا ارادوا ان يكون لهم كيان في عالم اليوم الشديد التغير والتعقيد، والذي لا يعترف بالكيانات الصغيرة بقدر ما يعترف بالكيانات الكبيرة من حيث التعداد السكاني والثروات الاقتصادية والتأثير الدولي. فهل في مقدرة الاتحاد الافريقي ان يؤسس له مكانة في النظام الدولي الذي تريد الولايات المتحدة أن يكون نظاما أميركيا توزع فيه الأدوار على دول العالم وتكون هذه الدول رهن سياستها المباشرة؟ يجب الاقرار ان افريقيا الى اليوم لا تزال بعيدة كل البعد عن لعب اي دور مؤثر في الحياة الدولية.. فافريقيا متخمة بالمشكلات الاقتصادية والاجتماعية كالبطالة والفقر والجوع، فضلا عن النزاعات العرقية المسلحة التي لاتزال ضاربة اطنابها وقد كلفت الشعوب الافريقية الآلاف من القتلى.. واذا زدنا الى ذلك كله غياب الديمقراطية وفساد الادارة وعدم مواكبة التطورات التكنولوجية، كلها مؤشرات تجعل من الصعوبة قيام اتحاد مستقر بمؤسسات ثابتة وادارة قادرة على مواجهة التحديات والرهانات الداخلية والخارجية.. فكيف يستطيع الاتحاد المعلن عنه ان يواجه كل هذه التحديات؟! ان الفرق بين اوروبا والاتحاد الافريقي هو ان اوروبا قامت على أسس اقتصادية صلبة أول ما ابتدأت به هو التوحد حول الفحم والفولاذ، ثم جسدت السوق الاوروبية المشتركة الى ان وصلت الى الاتحاد الاوروبي الذي بدأ يتجه نحو الاتحاد السياسي.. اما افريقيا فهي شديدة الاختلال في طبيعة الانظمة السياسية بين انظمة عسكرية دكتاتورية لا يهمها الاستقرار السياسي والرخاء والتقدم الاقتصادي لشعوبها بقدر ما يهمها مصالحها الشخصية بالاستيلاء على الأموال وايداعها في البنوك الاجنبية.. فكيف نأمل نجاح اتحاد في قارة تكثر فيها الانقلابات العسكرية وتكثر فيها المشكلات الاقتصادية هذه؟ .. كيف لهذا الاتحاد ان يعالج المشكلات السياسية الناتجة عن عدم التجانس السياسي؟ وكيف له ان يعالج مشكلة المديونية التي تجاوزت الـ 400 مليار دولار؟ اننا نطمح الى ان يكون لافريقيا كيان سياسي واقتصادي يحل مشكلات القارة، لكن مع ذلك لسنا متفائلين لاننا نتخوف من ان الاتحاد يمكن ان يزيد من تفاقم المشكلات القائمة خاصة ان الواقع الدولي الجديد لا يرحم الضعفاء، فنجاح الاتحاد (اي اتحاد) يحتاج الى قواسم سياسية واقتصادية مشتركة، ولكن الدول الافريقية انظمتها متباينة واقتصادياتها هشة تجعل من الصعب بل من المستحيل قيام تكتل ثابت. علاوة على ذلك فان القوى الدولية الكبرى لن تسمح لافريقيا بالنهوض لانها تعرف وزن القارة وما تتمتع به من ثروات وامكانات، فأي نجاح للقارة سوف يؤثر بالضرورة على مصالح القوى الكبرى، واذا علمنا ان الاقتصاد اصبح اليوم المحدد الرئيسي لقوة الدول فاننا نعلم ان القارة ستبقى تحت دائرة اهتمام القوى الدولية بل تحت دائرة المنافسة القوية بين هذه القوى واساسا بين الولايات المتحدة الاميركية وفرنسا. فهذه الاخيرة ترغب في ان تسترد مكانتها في المنطقة، ولانها تعرف وزن المنطقة الاقتصادي ومدى اهميتها في خدمة السوق الفرنسي، فانها تعمل جاهدة على ان تبقى ارجلها في مستعمراتها السابقة، ولكن الولايات المتحدة الأميركية دخلت هي الاخرى حلبة المنافسة، بل انها تعمل على قطع الطريق على فرنسا وبقية دول الاتحاد الاوروبي من التقرب من المنطقة لأنها ـ برأيها ـ لاتزال منطقة خام لم تستغل بالشكل الكافي، ولذلك سيتعين عليها احتواؤها وابقاؤها تحت الاهتمام الأميركي المباشر لأن ما تحتويه من ثروات باطنية انما يخدم الاقتصاد الأميركي. فكيف لاتحاد تأسس على انقاض مشكلات لا اول لها ولا اخر وفي ظل منافسة شرسة على مقدراته كيف له ان ينجح؟ هنا تظهر المقدرة السياسية وارادة القادة الذين هم غير بعيدين عن الاطلاع على المخططات التي تحاك ضد قارتهم، فهل يمتلكون الارادة والادوات لمواجهة التحديات الخارجة عن المنطقة فضلا عن التحديات الداخلية؟