تحاول بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية من خلال الأنباء التي تروج لخلق الانطباع القائل بأن الرئيس ياسر عرفات زعيم ضعيف يخشى من قادة أجهزته الأمنية. وقد استغلت مجموعة هذه الوسائل الإعلامية، الحركات البهلوانية التي قادها ضباط الأمن الوقائي الفلسطيني احتجاجاً على إقالة رئيس الجهاز العقيد جبريل الرجوب من منصبه على يد الرئيس عرفات في الأسبوع الماضي، انطلاقاً من التفسير البوليسي القائل «أن الرجوب أراد زيادة الضغط على عرفات من اجل الانتقام منه» في لحظة يعيش الرئيس عرفات حالة من الضعف والوهن التي غزت مؤسسات السلطة الفلسطينية بما في ذلك الأمنية منها. أكثر من ذلك بدأت الكثير من الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، من خلال الأجهزة الإعلامية وبعض أبواقها داخل الصف الفلسطيني بصب الزيت على النار الفلسطينية الملتهبة بعض الشيء، بأن تعيين ضابط من داخل الجهاز له فان الرجوب سيبقى مهيمناً عليه من خلال مواصلته شد الخيوط من وراء الكواليس. وأن تعيين زهير مناصرة في قيادة هذا الجهاز نتيجة لتخوف الرئيس ياسر عرفات من قيادات أجهزته الأمنية التي بدأت تنافسه على القيادة، بعد خطاب الرئيس جورج بوش الابن. حتى الهيئة العامة للجيش الإسرائيلي لم تكن بعيدة عن هذه الحرب النفسية، حيث دخلت هذا المعترك الفلسطيني من أوسع أبوابه، عندما بدأت تشيع هي الأخرى «أن مكانة رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات، آخذة بالتآكل السريع». والتي ظهرت بشكل جلي من خلال التحليلات الأخيرة للوضع التي صدرت على شكل تقارير أمنية وعسكرية - ميدانية، بعد خطاب الرئيس بوش وبدء العملية العسكرية «الطريق الحازم» في الضفة الغربية وعرض أمام المستوى السياسي أن هناك تقديرات بأن التدهور بمكانة عرفات هو شديد إلى درجة انه ليس ثمة ضرورة عملية لإسرائيل لإبعاد الرئيس من المناطق. وقال مصدر عسكري كبير لصحيفة «هآرتس» الصادرة يوم 8/7/2002 بأنه «ازدادت الفرص لأن تتآكل مكانة عرفات خلال سنة إلى درجة انه لن يعيق إقامة ظهور براغماتية بديلة من شأنها أن تقود الفلسطينيين للحل مع إسرائيل». على العكس من الأشهر التي سبقت خطاب بوش، والتي ازداد فيها التأييد داخل جهاز الأمن الإسرائيلي للعديد من السيناريوهات والتوصيات الهادفة لإبعاد الرئيس الفلسطيني عرفات، وقد انضم إلى الجوقة المطبلة، قسم التخطيط في هيئة الأركان الإسرائيلية، وإلى هذا التأييد في شهر مارس على خلفية موجة العمليات الكبيرة التي سبقت عملية «السور الواقي». وأعرب رئيس هيئة الأركان المغادر اللواء شاؤول موفاز في مقابلات مع صحف نهاية الأسبوع عن موقف حازم مؤيد للإبعاد. وادعى موفاز في مقابلة مع صحيفة «معاريف» مؤخراً: «أن أحدا في واشنطن لن يذرف دمعة واحدة إذا أبعدنا عرفات من المنطقة». ولكن الآن بدأ يتعزز الرأي، سواء في قسم المخابرات أو في قسم التخطيط، بأنه من الأفضل ترك العملية تحدث من تلقاء نفسها. وحسب أحد المصادر «فان خطاب بوش تسبب في انخفاض كبير في مكانة عرفات. حيث أن الدول العربية والمجتمع الأوروبي أيدوا الخطاب. ومعنى ذلك هو أن العالم يقف وراء سحب الشرعية عن عرفات. فحين تضعف قوة الرئيس بهذه الشدة يبدو انه ليس صحيحا أن نبعد بأنفسنا عرفات. هذا يبدو كانحراف عن الخط الأميركي، الذي بموجبه تجري الأمور تدريجيا من تلقاء نفسها بفضل رفض الإدارة الأميركية اعتبار عرفات طرفا في المفاوضات». بل أكثر من ذلك ذهب بعضهم بالقول أن الصبر الإسرائيلي إزاء استمرار بقاء عرفات في المنطقة مشروطاً مع ذلك باستمرار نجاح الجيش في تخفيض عدد الإصابات وسط الإسرائيليين، وحتى الآن تم تحقيق هذا الهدف بواسطة بقاء الجيش في المدن الفلسطينية في الضفة. ومن شأن موجة عمليات فتاكة أو عملية كبيرة أن تغير الوضع وتستدعي اعادة النظر بالنسبة لإبعاد عرفات. وإذا كانت الرؤية الإسرائيلية بهذا الشكل، فالسؤال الذي يطرح نفسه بقوة الأشياء المفروضة على الفلسطينيين والعرب: ما العمل إزاء كل هذه الرؤى الجهنمية؟ قبل الإجابة على السؤال الصعب، لا بد من التريث لبرهة، أمام كل ما يقال إسرائيلياً بشيء من الجدية وعدم إدارة الظهر لمثل هذه المقولات، بل يجب أخذها على محمل من الجد، لأن ما يجري على الأرض هو حصيلة لكل هذه التصورات؛ خاصة إذا ما علمنا أن إسرائيل تتمتع بأطواق متعددة من أحزمة النجاة غير المسبقة من قبل، لجهة العالم الغربي بعامة والولايات المتحدة بشكل خاص، باعتبارها حائط الصد المتقدم لمواجهة الإرهاب حسب الرؤية الغربية. هذه القضايا مجتمعة تملي على الجانب الفلسطيني مجموعة من الخطوات والإجراءات، بهدف سد الطريق على السيناريوهات الإسرائيلية، والتي تتمثل بما يلي: أولاً: ضرورة استكمال مجموعة الترتيبات المؤسساتية التي بدأها الرئيس عرفات، من خلال رؤية جماعية تمنع التفرد والمزاجية من جهة، وتفوت الفرصة على القيم والسلوكيات والأخلاقيات المناطقية والشللية والعشائرية، التي كانت قد غزت المجتمع الفلسطيني منذ فترة لا يستهان بها، باعتبارها إحدى الأمراض الاجتماعية الخطيرة التي تعكس ظلالها القاتمة على روح التغيير الناجز. ثانياً: العودة إلى الأطر الديمقراطية بما في ذلك الشرطية والأمنية، التي من شأنها تخليص المؤسسة من روح التفرد و تقديس الأشخاص، الذي ساد في الآونة الأخيرة، انطلاقاً من أن المناصب ليست حكراً على واحد دون الآخر، مع الآخذ بالحسبان تطعيم هذه المؤسسات بالكوادر الفلسطينية من غير الكوادر الفتحاوية، بهدف خلق حالة من التنوع والشمولية؛ حتى لا ينتقل الصراع من صراع فلسطيني ـ إسرائيلي إلى صراع فلسطيني ـ فلسطيني. نزولاً عند مقولة المواطنة من حق الجميع بصرف النظر عن الانتماء الأيديولوجي أو الحزبي، وأن مؤسسات السلطة انعكاس لطبقات وفئات المجتمع الفلسطيني عامة، وليست وقفاً على مجموعة أو فئة دون الأخرى. بمعنى أوضح ضرورة إشراك القاعدة الجماهيرية لكل الأحزاب وحتى الحركات الإسلامية في البنى السلطوية لكي يتحمل المجتمع الفلسطيني بقواه وأحزابه المكونة لحركته السياسية مسئولية أية تحولات قادمة إن كانت سلمية أو صراعية مع إسرائيل. ثالثاً: العودة إلى النواظم السياسية - الحزبية باعتبارها الحل الأمثل للخروج من الأمراض التي سبق ذكرها، بمعنى أدق الخروج من هواجس الممثلين المفترضين لريف هذه المدينة أو تلك في مؤسسات السلطة، واللعب من وراء الكواليس في انتخابات المجلس التشريعي التي تحاول إنجاح هذه الشخصية أو تلك، بصرف النظر عن وطنية وقدرة أو عدم وطنية وقدرة هذه الشخصية على ملء الفراغ الشاغر، انطلاقاً من مفهوم «أن مصلحة الوطن فوق مصالح الأفراد»، والقانون المستند إلى تكافؤ الفرص هو الناظم لحياة الأفراد والجماعات على حد سواء. أي أن المطلوب هو ترميم الأوضاع الداخلية الفلسطينية، بمعزل عن قيم غريزة القطيع في التعيينات والترتيبات التي اتبعت على عجل في السنوات الماضية بهدف تثبيت الجدارة السياسية إقليمياً ودولياً. وعلى ما يبدو، وبعيداً عن تقديم الوصفات الجاهزة، فإن السلطة بمؤسساتها ستكون قادرة على الرد على كل السيناريوهات والتخريفات التي تطلقها وسائل الإعلام الإسرائيلية على مدار الساعة، وأن هذا الرد المستند إلى أساس وطني سينتج مؤسسة وطنية فلسطينية معافاة خارج الرؤى المطروحة إسرائيلياً وأميركياً بكل تأكيد. ـ كاتب فلسطيني