حينما وقع تحت يدي «دعاء قبل ان ترمي رقم الموبايل» الذي سلمته لي احدى القارئات لم اصدق عيني، فركتها مرتين، ونظرت الى ساعة يدي لعلي اكون مخطئة وهذا كابوس منام!! غير ان ما احزنني انه لم يكن حلما من النوع الطيار الذي يتبدد حين يجيء النهار، انما هو امر واقع، وخبر مكتوب على احد المواقع الشبابية المعروفة لدى الكثيرين. لقد جاء العنوان بخط كبير وفيه هذه العبارة: «ماذا تفعل قبل ان ترمي على الفتاة رقم الموبايل ـ احفظ هذا الدعاء حتى يتيسر الأمر» او شيئاً قريباً من هذه الكلمات التي خيل الي للحظة ان صاحبها يوصي بحكمة من حكم الحياة، او هو ملهم من ذوي الشأن والخبرة، ولديه من يعتني بهم ويرشدهم، ولكن ظني خاب للمرة الثانية، فالخبر صحيح منذ الوهلة الاولى التي طالعت فيها البيان المذكور، كاتب الدعاء هو احد العابثين اللاعبين الذين كثروا وزاد عددهم، واصبح لهم قلم ومواقع وقراء وافكار، ومدرسة كاملة في تعليم اسس المعاكسة على الطرق الحديثة، إضافة الى اعطاء افضل المواصفات لكل فتى همام، قوي القلب، جسور الفؤاد، من النوع المقدام الذي يتصيد بنات الناس في الاماكن العامة، او قرب المدارس والجامعات. انها مدرسة لها فكرها، ومنظروها الذين يعملون باخلاص شديد، وضمير يقظ «مع الاعتذار للمعاني الاصلية التي توجه لها مثل هذه الصفات» اقول: هناك علم قائم يدل الفتى البطل على فتاة الاحلام، التي ربما هي الفتاة الاولى بعد المئة، أو المئتين كما تقول كلمات الورقة المأخوذة من ذلك الموقع. ان الورقة تحمل بكل امانة مواصفات يسيل لها لعاب كل عابث وطفيلي وثقيل الظل ممن فقدوا احترامهم لانفسهم اولا، ولاسرهم ثانيا، ولمجتمعاتهم ثالثا. في الورقة هناك صفات للفتاة المذكورة كأن تكون بالغة الحسن والجمال، وان يكون ابوها مشغولاً باسفاره في الخارج، وان تكون امها مولعة بالولائم والجلوس مع السيدات للثرثرة، واللغو الفارغ، وألا يكون لها اخ كبير، وان تكون اكبر اخواتها، كما لا ينسى الدعاء الذي فيه استمطار لرحمات السماء ان تتنزل على قلب هذا الفتى العابث فتهديه من جنة فتاة لا تحب الدراسة، وهي غير جادة ولا تبحث عن شيء جاد، ثم انها ـ وهذا اهم ما في الدعاء ـ لا تكون قد رأته من قبل يختال بمشية الطاووس مع واحدة من الحسناوات اللائي يعرفهن فيفتضح حينها آمره وترفض الاستجابة له. ثم لا تنسى ورقة الدعاء الطويلة التي حوت كافة اوصاف الفتيات الفاشلات المؤهلات للسير في الطريق الملغوم مع هذا الفتى المجنون، اقول لا تنسى ورقة الدعاء هذه ان يقول صاحبها بعد ان يدعو ويلح في الدعاء أن يقول: اللهم استجب يا ارحم الراحمين، يارب العالمين .صدقا معشر القراء الكرام ـ اراني اشعر بغيظ شديد على هذه الوقاحة والجرأة غير المسبوقة، واللعب بالقيم على نحو يثير الاستياء، ويدعو للتساؤل عن السبب الذي توارى فيه الحياء، واختبأ فيه الادب، وتراجع الى الخلف مسافات واميال شيء اسمه الذوق والغيرة واحترام الناس وبنات الناس. لست ادري الى من اشير باصابع الاتهام وكيف يمكن ان نسوغ مثل هذا العبث الذي يعرض نفسه للقراء وزوار الموقع، ويروج لهذا الفكر المريض القادر على نقل السقم والعلل التي يحتويها الى من لديهم القابلية للاصابة بالمرض، ممن لم تسعفهم مواردهم الروحية والقيمية على الارتقاء الى افق آخر اكثر عطاء، واكثر شموخاً، واكثر التزاما بمباديء المجتمع، ومثله التي ورثها جيلا بعد جيل.