تروج الادارة الأميركية بعد طول صمت تجاه جرائم جيش الاحتلال الاسرائيلي، لوعود بدولة فلسطينية «مؤقتة» من حيث السيادة والحدود، هي اقرب للخيال منها الى الواقع، ولا تكتفي بهشاشة مثل هذه الدولة الموعودة، بل تطالب بحق «الفيتو» على قيادتها حتى لو جاءت عبر صناديق الانتخاب. الغريب في أمر الترويج الاميركي لهذه الدولة الفلسطينية، انه بات يطغى على كل أحاديث مسئولي الادارة الأميركية، في توزيع متناغم للأدوار ما بين من يطلق عليهم الصقور من امثال كوندوليزا رايس والحمائم من أمثال كولن باول، فإذا صرح احدهم بأنه لا يحق للفلسطينيين المطالبة بدولة، طالما بقي فيهم نفس يقاوم الاحتلال يتولى الثاني مهمة التخفيف من حدة التصريح ويقول لا، بل من حق الفلسطينيين ان يكون لهم دولة، فقط بعد ان تخمد قواهم ويصمتون للأبد، ويكفّون عن الشكوى من الاحتلال الإسرائيلي المشروع! الاغرب في طغيان الحديث الأميركي عن الدولة الفلسطينية الموعودة، لشعب وقيادة ترزح تحت الاحتلال الاسرائيلي، أنه جاء لأسباب لا علاقة لها اطلاقاً بالرؤية الأميركية العمياء للقضية الفلسطينية، والتي تنطلق من انحياز مطلق للمشروع الصهيوني. فالحديث الأميركي الطاريء والمتسارع عن الدولة الفلسطينية يجيء في اطار مخطط آخر لتوسيع الحرب الأميركية والتحضير لضرب العراق، ضربة موجعة تطلق مخطط تقسيمه الى دويلات، وتدشن المشروع القديم لتشطير وتقسيم الدول العربية. والواضح ان ادارة جورج بوش بعد ان فشلت في اقناع العرب بتأييد خطتها لضرب العراق، وجوبهت بمعارضة صريحة ومعلنة تصل حد الاجماع، رأت ان من الممكن خداع العرب بدولة فلسطينية لاسكاتهم عن معارضة ضرب العراق. ويبدو ان الادارة لا تتعلم من التاريخ، ولم تحسب أبداً ان العرب يحفظون جيداً مقولة: قد تستطيع ان تخدع بعض العرب بعض الوقت، لكنك لن تخدعهم كل الوقت. ويجب ان تعي الادارة ان مغازلة العرب بدولة فلسطينية موعودة، فيما الاحتلال الاسرائيلي راسخ ومطمئن، لن تدفعهم للصمت على ضرب العراق