من الزهّاد الخلفاء عمر بن عبد العزيز الذي أعرض عن الدنيا ومال إلى الآخرة ولو استطاع لاعتزل السياسة والحكم والخلافة وهو الملقب بالعادل. ومن نادر كلامه الدال على الزهد في الدنيا والمليء بالحكمة والموعظة قوله من خطبة خطبها بخناصرة قيل إنه لم يخطب بعدها حتى مات: «أيها الناس إنكم لم تخلقوا عبثاً ولم تتركوا سدى وإن لكم معاداً يحكم الله فيه بينكم فخاب وخسر من خرج من رحمة الله التي وسعت كل شيء وحرم الجنة التي عرضها السموات والأرض واعلموا أن الأمان غداً لمن خاف ربه وباع قليلاً بكثير وفانياً بباق ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين وسيخلفها من بعدكم الباقون كذلك حتى تردوا إلى خير الوارثين. ثم أنتم في كل يوم تشيعون غادياً ورائحاً إلى الله قد قضى نحبه وبلغ أجله ثم تغيبونه في صدع من الأرض ثم تدعونه غير موسد ولا ممهد قد خلع الأسباب وفارق الأحباب وواجه الحساب غنياً عما ترك فقيراً إلى ما قدم. وأيم الله إني لأقول لكم هذه المقالة وما أعلم عند أحد منكم من الذنوب أكثر مما عندي... وأيم الله أن لو أردت غير هذا من عيش أو غضارة لكان اللسان مني ناطقاً ذلولاً عالماً بأسبابه لكنه مضى من الله كتاب ناطق وسنة عادلة دل فيها على طاعته ونهى فيها عن معصيته». ثم بكى فتلقى دموع عينيه بطرف ردائه ثم نزل فلم ير على تلك الأعواد حتى قبضه الله. ومن نوادر زهد عمر وتواضعه وعدم تكلفه ما حدث به عنه رجاء بن حيوة وكان عند عمر ليلة وهو خليفة فضعف المصباح فقام رجل ليصلحه فقال له اجلس فليس من الكرم أن يستخدم المرء ضيفه فقال أنبه الغلام ! قال: إنها أول نومة نامها ثم قام بنفسه فأصلح السراج فقال رجاء: أتقوم إلى السراج وأنت أمير المؤمنين ؟ قال: قمت وأنا عمر بن عبد العزيز ورجعت وأنا عمر بن عبد العزيز. ومن نوادر زهده وعدله أنه بلغه أن ابناً له اشترى خاتماً بألف درهم فكتب إليه: بلغني أنك اشتريت خاتماً وفصه بألف درهم فإذا أتاك كتابي فبع الخاتم وأشبع به ألف بطن واتخذ خاتماً من درهمين واجعل فصه حديداً صينياً واكتب عليه «رحم الله امرءاً عرف قدره». وقومت ثياب عمر بن عبد العزيز وهو يخطب أيام خلافته بإثني عشر درهما وهي قباء وعمامة وقميص وسراويل ورداء وخفان وقلنسوة.