دخلت مدينة دوربان الجنوب افريقية التاريخ من بابه الواسع حيث احتضنت آخر قمة لمنظمة الوحدة الافريقية ، وأول قمة للاتحاد الافريقي، وكذلك كان لها الفضل في مناقشة مبادرة الشراكة الاقتصادية الجديدة لتنمية افريقيا «نياد». هكذا قررت القارة السمراء ان تواكب القرن الحادي والعشرين وان تفّعل جهازها القاري الذي يجب ان يدخل مرحلة العولمة بعدما ادى دوره فيما يتعلق بعملية التحرير والاستقلال. هل تآكلت منظمة الوحدة الافريقية وجاء الوقت لتغييرها باتحاد اكثر فعالية ودينامية يستطيع ان ينافس الاتحادات والتحالفات والتكتلات الموجودة على الصعيد الدولي؟ من المنظمة الى الاتحاد، هل تتمكن القارة السمراء هذه المرة من تحدي الصعاب والمشاكل والعراقيل وتضع الاسس لاتحاد افريقي على شاكلة الاتحاد الاوروبي، بسوق اقتصادية قوية وبرلمان ومحكمة عدل افريقية وغيرها من الاجهزة التي من شأنها ان تقضي على التناقضات والثغرات العديدة والمختلفة التي تزخر بها القارة السمراء، تلك القارة التي تنعم بخيرات عديدة وفي نفس الوقت يتفشى فيها الفقر وينتشر فيها الجهل والايدز والحروب الاهلية والرشوة والجوع والانقلابات العسكرية؟ هل تغيير اسم منظمة الوحدة الافريقية من منظمة الى اتحاد سيفّعل هذا الجهاز وسيحل مشاكل القارة السمراء؟ اسئلة تحتاج الى دراسة متأنية ومستفيضة لأن الأمر لا يتعلق هنا بالشعارات والتوصيات وتغيير الاسماء بقدر ما هو بحاجة الى جدية في الطرح وموضوعية في الاهداف ومنهجية في العمل. مقومات أساسية اذا قرأنا بعض الاحصائيات الخاصة بافريقيا ان ما يزيد عن 20 دولة افريقية تخوض حروبا ضد بعضها البعض، سواء كانت اهلية او نزاعات داخلية او بين اكثر من دولة. وهنا نلاحظ تورط دول اخرى مجاورة او صديقة او عدوة في دعم تلك الدولة او الوقوف ضدها. هذه الحروب ادت في العقد الاخير الى مقتل 3 ملايين شخص واضطرت 28 مليون نسمة الى الهجرة والنزوح واللجوء الى دول ومناطق اخرى. اما بالنسبة للأمراض فالايدز لوحده يقضي على مليون افريقي سنويا وهناك حاليا 34 مليونا من ابناء القارة مصابون بالفيروس كما ان 80% من المصابين في العالم بالايدز هم أفارقة. فالقارة السمراء تزداد اوضاعها سوءا سنة بعد سنة بسبب القيادات الدكتاتورية والعسكرية التي تحكمها وتتواطأ مع رأس المال الاجنبي في ابتزاز الثروات الوطنية بأبخس الاثمان، وبسبب الحدود التي خلفها الاستعمار من ورائه وهي بمثابة قنابل موقوتة من جهة اخرى نلاحظ التجارة او التبادل غير المتكافيء والاستغلال الاعمى للدول الصناعية للقارة السمراء من خلال نخبة موالية وعملية للغرب، اضافة الى الرشوة وسوء التسيير والادارة المتخلفة ومختلف الامراض والاوبئة وعلى رأسها داء الايدز. السؤال الذي يطرح نفسه في اشكالية الاتحاد وقدرته على مواجهة التحديات هو: هل ساهمت وشاركت الشعوب الافريقية في فكرة الاتحاد وهل تم مراجعتها واستفتاء رأيها في الموضوع؟ وهل يملك الاتحاد الوسائل والمؤسسات والامكانيات اللازمة لتحقيق الاهداف المسطرة؟ هل القارة السمراء جاهزة لانشاء اتحاد افريقي يقوم على المؤسسات والآليات التي تضمن له النتائج المرجوة والنجاح في مهامه وأهدافه ومشاريعه؟ هل الاتحادات السابقة في القارة على المستوى الجهوي حققت اهدافها؟ هل الاتحاد المغاربي او الاتحادات في الشرق والغرب من القارة الافريقية حققت الاهداف التي جاءت من اجلها؟ هل الانظمة السياسية في القارة قائمة على اساس من الديمقراطية واحترام حقوق الانسان؟ هل المجتمع المدني قائم وموجود ويلعب دوره في صناعة القرار؟ ماذا عن المجتمع السياسي والاحزاب السياسية هي هي موجودة وان وجدت هل من دور لها؟ ماذا عن الاقتصاد وأجهزته وآلياته؟ ماذا عن التبادلات الاقتصادية والتجارية بين دول القارة؟ تساؤلات عديدة تطرح نفسها للتأكد من توفر مستلزمات الاتحاد الافريقي. الامر اذن لم يتعلق بتوصيات وبيانات بقدر ما يتعلق بموضوعية وواقعية، خاصة وان بعض الدول الافريقية بدأت تفقد حتى المقومات الاساسية للدولة. فالحروب والنزاعات العديدة بين دول القارة، والمديونية التي وصلت الى 350 مليار دولار وكذلك الاوبئة والامراض الفتاكة مثل الملاريا والايدز منتشرة بدرجة مخيفة، ناهيك عن التدخلات الاجنبية في شئون القارة والمصالح المتعارضة والمتضاربة من قبل تجار الماس والمواد الأولية الاخرى، تزيد القارة حروبا ونزاعات وتدهورا على مستوى مختلف الاصعدة. سؤال آخر جوهري يطرح نفسه هو: هل الدول الافريقية الـ 53 متفقة ومستعدة للاتحاد الافريقي وجاهزة لتفعيل آلياته ام هناك اختلافات وتعارض في الرؤى والاستراتيجية والمصالح؟ وهل ان بعض الدول متحفظة على موضوع الاتحاد الافريقي؟ والغريب في الامر هنا ان بعض الدول الافريقية لا تتوفر على برلمان بما تحمله الكلمة من معنى والمصطلح من ديمقراطية وتنظيم وتمثيل الى غير ذلك. المشكل الكبير الذي عانت منه منظمة الوحدة الافريقية مثلها مثل جامعة الدول العربية وعدد كبير من المنظمات القارية والاقليمية، هو البعد الاقتصادي الاستراتيجي الذي يمثل حجر الزاوية لأي عمل تنظيمي مؤسساتي وقاري. فإذا كانت الانطلاقة الاولى للمنظمة سياسية وكانت تعني بالحركات التحررية وبالتكتل السياسي، وإذا كان هذا الطرح سليم في الستينيات والسبعينيات فإن الامر ليس كذلك على الاطلاق في الوقت الحاضر. الاتحاد الأوروبي على سبيل المثال بنى مجده وقوته على اسس اقتصادية، توجت في النهاية بتوحيد العملة واستعمال اليورو وبطبيعة الحال مر الاتحاد الاوروبي بمراحل وأطوار عديدة حتى وصل الى ما هو عليه اليوم. وما ينتظر الاتحاد الافريقي اليوم هو المحور الاقتصادي الذي هو الاساس في تدعيم الوحدة وتقوية التكتلات ومجابهة تحالفات اخرى توجد على مستوى القارات. وما تحتاجه افريقيا اليوم هو حل مشاكلها الاقتصادية بالدرجة الاولى، ولو راجعنا الارقام والاحصائيات لوجدنا ان حجم التبادل التجاري بين الدول الافريقية يكاد لا يذكر ولا يعني شيئاً، وهذا يعتبر في حد ذاته فشل ذريع لمشروع وحدة افريقية فقط على الشعارات والتوصيات الرنانة التي لا تجد صداها الا في الصحف والمؤتمرات والندوات. والقارة الافريقية تتمتع بثروات وبخيرات وبامكانيات هائلة للتكامل الاقتصادي في ما بينها، لكن الامكانيات والخيرات غير مستغلة كما ينبغي، ونلاحظ ان التبعية الاقتصادية والتبادل التجاري مع الدول الاوروبية وخاصة المستعمرة (بكسر الميم) منها يفرضان انفسهما بشكل كبير على اقتصاديات الدول الافريقية. فانعدام التكامل الاقتصادي وانعدام سوق افريقية مشتركة يؤديان لا محال الى منظمة جوفاء تقوم على الشعارات والمؤتمرات الرنانة والبراقة والتي لا تنجح عادة الا في اصدار توصيات لا تخرج في غالب الاحيان من قاعات المؤتمرات. التكتلات الناجحة اليوم على المستوى الدولي او الجهوي او القاري هي تلك التكتلات التي وضعت الشعارات السياسية الرنانة بجهة وراحت تركز على البعد الاقتصادي، والتكتلات الفاشلة كجامعة الدول العربية ومنظمة الوحدة الافريقية وغيرها ما زالت عاجزة عن اقامة تعاون اقتصادي متين يدعم العلاقات والروابط الاقتصادية بين الدول الاعضاء قبل العلاقات السياسية. فعلى سبيل المثال نجد التبادل الاقتصادي بين دول الاتحاد المغاربي لا يتجاوز الـ 3% في حين نجده يصل الى 65% مع الدول الاوروبية. ترتيب البيت من المشاكل الرئيسية التي تعاني منها المنظمة كذلك المشكل المالي الناجم بالدرجة الاولى عن عدم دفع العديد من الدول الافريقية اشتراكها للمنظمة، وهذا المشكل يعرقل بطبيعة الحال نشاط وعمل الاتحاد في المستقبل. هذا يجرنا لا محال للكلام عن الصعوبات المختلفة التي تواجهها اي منظمة قارية بحجم منظمة الوحدة الافريقية والتي تجمع عددا كبيرا من الدول يتخبط معظمها في مشاكل الشرعية السياسية والأمن الاقتصادي ومشاكل الديمقراطية وحقوق الانسان وحرية الصحافة والرأي. وهنا نتساءل من هو الذي يمول الاتحاد الافريقي وأجهزته المختلفة؟ تعاني معظم الدول الافريقية من انعدام الشرعية السياسية كما تعاني من انعدام مجتمع مدني وممارسة سياسية شعبية واسعة، والنتيجة في نهاية المطاف هي انعدام الثقة بين القمة والقاعدة وغياب القرار السياسي الرشيد والناجح، وهذا ينعكس بالسلب على الأداء العام في المجتمع. فالقارة السمراء تشتهر على المستوى العالمي بانقلاباتها العسكرية وبعدم استقرار انظمة الحكم فيها، كما تشتهر بالرشوة وبضعف التسيير والادارة. فانعدام الثقة بين الحاكم والمحكوم وانعدام هيبة الدولة وانعدام المجتمع المدني وكذلك الثقافة المؤسساتية، كل هذه الامور تؤدي الى انعدام الرشادة وانعدام الاداء المسئول والفعال والمستمر والمتطور. فالقارة السمراء تعتبر من اغنى القارات في العالم ومن افقرها في نفس الوقت، وهذا بطبيعة الحال لم يأت هكذا من العدم وانما هناك اسباب وعوامل انتشرت وتجذرت وأصبحت ثقافة سائدة. افريقيا عانت الكثير من الانظمة العسكرية الدكتاتورية التي حولت خيرات البلد الى حسابات شخصية في البنوك السويسرية والاوروبية والتي قدمت المصالح الشخصية لافراد يحسبون على اصابع اليد الواحدة على مصالح امة بأكملها، وهكذا فاقت ثرواتهم كل التوقعات وفاقت حتى الديون الخارجية المستحقة على بلدانهم. وهكذا فإن الزواج الفاشل بين العسكر والسياسة ادى الى خسائر فادحة على مستوى الديمقراطية والمشاركة السياسية، كما ادى كذلك الى خسائر فادحة على المستوى الاقتصادي. كيف إذن نتكلم عن الاتحاد الافريقي والقارة لا تتوفر عن انظمة تقوم على الديمقراطية واحترام حقوق الانسان وحرية الفكر والرأي والتعبير وحرية الصحافة؟ كيف لنا ان نتكلم عن اتحاد افريقي وبعض الدول الافريقية لم تستطع ان توحد الاقليات العرقية والفصائل الموجودة داخل حدودها؟ ان التحدي الكبير الذي يواجه الاتحاد الافريقي اليوم هو العامل الاقتصادي، وما يهم رجل الشارع الافريقي بالدرجة الاولى هو توفير لقمة العيش اليومية. فالوحدة الحقيقية تقوم على اسس ثقافية، اجتماعية، سياسية واقتصادية ولا تعتمد على الشعارات الجوفاء والتوصيات والقرارات. القارة الافريقية اليوم تعاني من مشاكل لا تحصى ولا تعد، لا يستطيع اي اتحاد او تكتل او منظمة في العالم العمل على حلها بمجرد المؤتمرات واللقاءات الدورية ولا بمجرد التوصيات والقرارات. ما تحتاجه افريقيا واتحادها الجديد هو ترتيب الدار من الداخل، اي على مستوى كل دولة افريقية، وتفعيل الاتحاد بانطلاقة جديدة تعتمد على الواقعية والفاعلية والتأقلم مع معطيات النظام الدولي الجديد وتحديات القرن الحادي والعشرين. ـ قسم الاتصال ـ جامعة الشارقة