بدأت شيئا فشيئا تتضح للشعب الفرنسي ملامح السياسة الجديدة التي اختارتها حكومة الرئيس جاك شيراك برئاسة وزيرها الأول جون بيار رافاران، وهي سياسة جديدة بكل المقاييس تنطلق من ثقة شيراك بنفسه بعد فوزه الساحق بنسبة 82 بالمئة على منافسيه الاثنين: الاشتراكي جوسبان واليميني المتطرف لوبان، وتنطلق كذلك من ثقة الشعب الفرنسي في توجهات شيراك بحيث لم يكتف الشعب بانتخابه بتلك النسبة العالية، بل اختار له برلمانا من اطياف اليمين الوسطي المعتدل بنسبة 80 بالمئة، وهو ما يسهل المستقبل السياسي المستقر لمدة السنوات الخمس المقبلة بدون خوف من زعزعة او مفاجأة. ولذلك فالرئيس شيراك يشعر بيدين حرتين ويتمتع باغلبية مريحة، وقد كرر المرات العديدة في خطبه وتصريحاته منذ 26 مايو الماضي بأنه استوعب درس الانتخابات واستمع الى خلجات ضمائر الفرنسيين ويريد ان ينتهج سياسات تتلاءم مع مشاغلهم اليومية وحاجياتهم الامنية وتطلعاتهم الاجتماعية، وبالفعل اعلن رئيس الجمهورية ان فلسفة حكومته هي الحكم عن قريب، عن كثب كما نقول نحن في اللغة العربية، اي التعامل مع حياة الفرنسيين بشكل مباشر وحاضر وذكي. ولذلك بدأ بتعيين نيكولا ساركوزي عمدة مدينة نويي وزيرا للداخلية والامن، وقد شرع هذا الرجل الشاب الحازم في ضم مؤسسة الجندرمة ـ اي الشرطة الريفية التابعة لوزارة الدفاع ـ الى موسسة الشرطة الوطنية للمزيد من التنسيق والعمل المشترك، كما اعلن عن انتداب 13 الف معاون امن جدد على مدى السنوات الثلاث المقبلة وتضاعفت ميزانية الامن ثلاث مرات. ومن جهتها اعلنت وزارة العدل انها تغير تدريجيا من القوانين الجزائية للشباب والمراهقين نحو المزيد من الحزم مع تحميل أولياء الأمور مسئولية اولادهم. ويبدو ان الشعور الشعبي السائد ازاء هذه التعديلات هو الرضا والاطمئنان والدعم. بحيث اعلنت الحكومة عن نقص بنسبة 8 بالمئة في اعمال العنف والجرائم الصغيرة تم تسجيله في الشهرين الاخيرين. وعلى نفس الوتيرة تحركت اللجنة الوطنية لوسائل الاتصال المعروفة في فرنسا بأحرف ء.س. لاعلان حرب سياسية ضد الافلام الاباحية. وتحدث رئيس اللجنة الوزير والاعلامي السابق دومينيك بوديس عن هذه الحملة فقال: انه عمل حمائي لاطفال فرنسا، بعد ان ثبت ان طفلا من كل اثنين دون سن العاشرة سبق ان شاهد شريطا او مشاهد خليعة على احدى قنوات التلفزيون».. وتكلمت في صحيفة «لاديبيش» يوم الخميس الماضي الاستاذة بياتريس سيري عالمة نفس الطفولة فشرحت ان كل الاطفال يولدون بالفطرة الجنسية السوية، ويكتشفون بالفطرة الطبيعية بعض الغرائز العادية والفروق الفيزيولوجية بين الجنسين، ومن الافضل علميا ان يعمل كذلك النمو النفسي عمله بصورة طبيعية وتدريسية بمساعدة العملية التربوية والدينية والاخلاقية.. ولكن الشاشات الاباحية تأتي لتلوي عنق تلك العملية الطبيعية بزرع بذور الانحراف، مما ينتج عنه تداعيات خطيرة تشوه النمو النفسي للاطفال قبل مرحلة نضجهم وربما تدفعهم لما لا تحمد عقباه ويؤكد بوديس رئيس اللجنة في نفس الصحيفة بأن مستقبل الاطفال اهم بكثير من الارباح المادية التي يجنيها محترفو انتاج مثل تلك الافلام واصحاب القنوات المتخصصة في بث مثل ذلك الانتاج.. ان من المستحيل التفريق في الجمهور المتلقي بين الكهول والشباب والاطفال». ونحن العرب المسلمين الذين نعيش في المجتمع الفرنسي عبرنا للحكومة الفرنسية من خلال جمعياتنا عن مساندتنا لهذه الاجراءات المتوقعة وحماسنا لثورة اخلاقية تضع حدا لشراهة مافيا الخلاعة وتطهير شاشاتنا من هذه السموم التي تبث علينا قسرا باسم الحرية. فالحرية من المنظور الفلسفي والسياسي هي حرية العمل والانتاج والتفكير والتعبير لا حرية التدمير. ونحن نبارك هذه العودة لفلسفة الحريات الحقيقية التي تعتبر الحق في الأمن في طليعة حقوق الانسان. والأمن هنا كما توضح سياسة فرنسا الجديدة ليس مقصورا على الأمن في الشارع والطريق العام والبيت ومكان العمل، بل هو الامن التربوي، والاخلاقي الذي تزرعه المدرسة ثم الجامعة وقبلهما روضة الاطفال في نفوس رجال ونساء الغد، دون ان تأتي تيارات الجنس لتقويضه باسم الحريات.