«ان ما يواجهه بوش قد يعتبر اكبر تحد يواجهه في حياته، ويتعلق بفضائح الشركات التجارية التي شاعت ابناؤها وبلغت الناخبين الذي كانوا ذات يوم لا يأبهون بما يجري في اوساط الشركات الكبرى، إلا وهم يتجمعون حول موائد طعامهم». هذه هي رؤية الكاتبة الاميركية ماري ماكفوري التي نشرتها في صحيفة «واشنطن بوست» ونقلتها «الشرق الاوسط» في عددها الصادر يوم الثلاثاء الماضي، وذلك تعليقاً على الانهيار الكبير الذي تشهده كبرى الشركات الاميركية والذي سبب حسب تقديرات مؤسسة «مورغان ستانلي» خسائر في الاسواق تقدر حتى الاسبوع الماضي بحوالي ستة تريليونات ونصف التريليون دولار، تاركاً للقاريء تخيل عدد الاصفار التي توضع امام هذا الرقم حتى ان الكاتب الاميركي جان ستراوس مؤلف كتاب «مورغان الممول الاميركي» وصف في مقال نشرته «الشرق الاوسط» نقلا عن صحيفة «نيويورك تايمز» الاميركية يوم الاثنين الماضي وصف ما حدث بأنه لم يحدث له مثيل منذ ثلاثينيات القرن الماضي. اما المسئولون عن هذه الشركات وهذه الخسائر فقد قال عنهم «ان ما فعله الاشرار في وورلد كوم وشركة انرون لا يقل شأنا عما قام به تنظيم «القاعدة» حيث الحقوا ضرراً بالثقة في الرأسمالية الاميركية، كما ان مشاعر النفور من الشركات الكبرى التي تسود حاليا لم يسبق لها مثيل منذ ثلاثينيات القرن الماضي». لكن الاشرار في نظر جان ستراوس هم في نظر الرئيس الاميركي جورج بوش طيبون وشرفاء وذلك كما جاء على لسانه في تقرير بثته قناة «الجزيرة» في نشرتها الاقتصادية يوم الثلاثاء الماضي، حيث قال بوش على الشاشة بالحرف الواحد «دعوني اقول لكم اني اعتقد ان الغالبية من مدراء الشركات في اميركا طيبون وشرفاء وليس لديهم ما يخفونه ويعلنون الحقائق». ومن يتمعن في تصريحات بوش هذه وخطابه الذي القاه في وول ستريت واغضبت الكثيرين ممن يتهمون مدراء الشركات بالتسبب في الكارثة التي بدأت تعم اسواق العالم، يجد ان الرئيس في الحقيقة انما كان يدافع عن نفسه وعن نائبه ديك تشيني وعن اصدقائه فالرئيس بوش نفسه اصبح متورطاً في فضيحة شركة هاركن للطاقة التي كان مديراً لها عام 1990، ويجري الآن التحقيق في مخالفة اسهم باعها بمليون دولار، اما نائبه ديك تشيني فقد اعلنت مجموعة «جو ديشال ووتش» الحقوقية الاميركية يوم الاربعاء الماضي انها رفعت دعوى ضد نائب الرئيس ديك تشيني وشركة «هاليبورتون» للنفط التي تولى ادارتها لمدة خمسة اعوام بين عامي 1995 و2000 مدعية حصول ممارسات احتيالية في الشركة وصلت الى 445 مليون دولار، وان هذا قد ادى الى تكبد عدد كبير من المواطنين الاميركيين خسائر كبيرة، كما ذكر لاري كلايمان رئيس مجلس ادارة «جو ديشال ووتش». وكانت بداية الانهيارات الكبرى قد وقعت نهاية العام الماضي بانهيار مجموعة «انرون» التي سرعان ما تكشفت علاقتها بالرئيس ونائبه ودعم الحملة الانتخابية لها لكن محاولات جرت منها للطمس على معالم هذه العلاقة بالتوجه نحو العدو الخارجي إلا ان انهيار مجموعة آرثر اندرسن المحاسبية العملاقة التي غطت على مخالفات انرون ثم انهيار جلوبال كروسنج للاتصالات تحت وطأة ديون قدرت باثني عشر مليار دولار، ثم تايكو لصناعة المعدات بخسائر اكثر من خمسة مليارات، ثم وورلد كوم. بنحو اربعة مليارات، ثم زيروكس الشهيرة بحوالي مليار ونصف المليار، ثم ميرك للأدوية بأربعة عشر مليار دولار، والآن تشهد شركة «فيفاندي» العالمية وهي من اكبر الشركات العاملة في مجال الانترنت والقنوات الفضائية والسينما والصحافة والاعلام والنشر الترفيهي المتعدد الوسائط، تشهد هذه الشركة كما تقول مجلة «الوسط» في عدد الاثنين الماضي افلاساً غير معلن، مع توقعات بأن تشهد العديد من الشركات المسجلة في بورصات العالم المتوسطة والصغيرة المصير نفسه. ولابد ان ندرك ان افلاس او انهيار كل شركة كبرى يصاحبه انهيار عشرات الشركات المتوسطة والصغيرة، لكن الجانب المهم الآن في كل ما يحدث هو العلاقة التي تربط الرئيس الاميركي ونائبه بهذه الفضائح، ولعل هذا يفسر سر تركيزهما على العدو الخارجي للولايات المتحدة. وهذا ما جعل الكاتب الاميركي جون ستراوس يصف ما يقومون به بأنه لا يقل عما فعله تنظيم القاعدة بالولايات المتحدة، وهنا مفارقة مهمة لابد من فهمها. فقد كانت فضائح الرئيس السابق كلينتون الجنسية لا تمس قوت وأموال المواطنين الاميركيين بل كان الشعب الاميركي يتسلى بها، لكن فضائح الرئيس بوش ونائبه اصبحت كما قال رئيس مجلس ادارة «جو ديشال ووتش» تمس المواطنين الاميركيين وتكبدهم خسائر كبيرة. فهل سيستمر الرئيس ونائبه في تهويل اكذوبة العدو الخارجي للتغطية على فضائحهم الداخلية؟! وهل سيبقى الشعب الاميركي المنكود تنطلي عليه الاكاذيب حتى بعدما مسته الفضائح في استثماراته وامواله التي نهبها الكبار؟! ـ كاتب واعلامي مصري