لم تكن المكتبات او اماكن بيع الكتب في اوروبا او في الولايات المتحدة تتيح مكانا على ارففها ـ ولو صغيرا ـ لعرض الكتب التي تبحث في الفكر الاسلامي واحوال العالمين العربي والاسلامي حتى وقت قريب، وكان على من يريد البحث عن مثل هذه الكتب او تحت عنوان مقارب، ان يسأل ويستقصي، وربما يجدها في زاوية من زوايا المكتبة المهملة، او على رف متوار عن الانظار، بل ربما لا يجدها في كثير من المكتبات، ولكن منذ الخريف الماضي ـ وبعد احداث 11 سبتمبر ـ تغير الوضع كليا، فإنك لا تدخل اليوم اي مكتبة في اي مدينة متوسطة او كبيرة في اوروبا او الولايات المتحدة، الا وتجد زاوية واضحة مشيرة الى مجموعة من الرفوف عرضت عليها كتب، وبخط واضح تنبيء عن موضوعها وهو «الاسلام». لقد تفجر الطلب في الغرب على معرفة الاسلام والمسلمين منذ ما بعد 11 سبتمبر، لكن المؤسف ان العرض لم يقابل هذا الطلب، فالمعروض في معظمه كان هشا وهزيلا وسطحيا، ينقاش الدين الاسلامي والثقافة الاسلامية من منظور السائح غير المتعمق، او يضيف الى كمية الجهل لدى العامة جهلا اكثر كثافة، لقد اعيد طبع بعض الكتب التي الفها المستشرقون وكثير منها له موقف مسبق من الثقافة الاسلامية، ولكن اعادة النشر كانت تلبية عاجلة لحاجة متسارعة لدى الجمهور الغربي. سد الفراغ ولعل المثال الذي يمكن اعطاؤه للتدليل على العرض الواسع من الكتب الذي لقي اقبالا ورواجا شديدين ليس بسبب الجودة ولكن لقلة المعروض، هو كتاب الكاتبة «اوريانا فلاتشي» الايطالية الاصل التي تعيش في الولايات المتحدة منذ فترة، والكتاب الذي يحمل عنوان «الغضب» كتب بطريقة صحافية وصدر في حجم صغير في ديسمبر الماضي، وقد اقبل عليه القراء في الغرب حتى بلغ توزيعه مليونا ونصف المليون نسخة، كما ترجم الى الفرنسية ولغات اوروبية اخرى، وقد الصقت الكاتبة فيه بالعرب والمسلمين تهما شتى تتضمن تجنيا فاضحا، وتسلك طريق التحقير والازدراء، الى حد الادعاء بأن كل من يعتنق الدين الاسلامي يقبع في مرتبة متدنية من الحضارة، زاعمة ان المسلمين يتوالدون مثل الفئران، وهم جميعا ـ من دون اي استثناء ـ يتعاملون بالارهاب، وهم شركاء مع الارهابيين اما الاسلام «المعتدل» الذي يمثله المسلمون الذين يعيشون في اوروبا، فهو ـ في نظرها ـ يمثل تهديدا خطيرا للحضارة الغربية. مثل هذه الكتب يسعى اليها العامة، ليطفئوا عطشهم الاني الى معرفة شيء عن الاسلام والمسلمين، اما النخبة فتتجه لاصطياد المخطوطات العربية التي تظهر في سوق مزايدات السلع النادرة، كما حصل قبل اشهر حين اشترت مؤسسة وقفية بريطانية لمصلحة جامعة اكسفور مخطوطا عربيا دفعت فيه المؤسسة مبلغا يناهز مليون دولار! وفي مدينة فرانفكورت الالمانية مؤسسة تهتم بتاريخ العلوم الاسلامية والعربية، وهي مؤسسة ساهم في انشائها عدد من الدول العربية، منها المملكة العربية السعودية والكويت وليبيا وقطر ودولة الامارات العربية المتحدة، وقد تفرغت هذه المؤسسة لاعادة انتاج المخطوطات العربية والاسلامية التي تبحث في العلوم، كما انشأت في اطار مبناها المتواضع متحفا يحتوي على نماذج مما كان يسميه العرب بـ «الحيل» وهي تعني التكنولوجيا بمصطلح اليوم، وقد اصبح لديها رصيد من نماذج مختلفة مما صنعه العرب من الآلات، من الرافعات المائية والاسطرلابات والساعات والخرائط، وادوات الطب وغيرها من الادوات والوسائل التي تنتمي الى العلوم المختلفة، وقد نشرت من المخطوطات في هذه العلوم معظم ما هو معروف او شبه معروف من الانتاج العلمي والمعرفي في عصور النهوض العربي. في العشرين عاما الماضية من عمر هذا المعهد لم يلتفت لعمله الا القلة، رغم انجازاته العلمية الكبيرة، ولكنه اليوم اصبح موضع اهتمام عالمي، وبالتحديد غربي، واسع، فقد صرح مديره النشط والباحث الرئيسي فيه الدكتور فؤاد سيزكين في اجتماع مجلس الامناء الاخير بأن الطلبات لا تنقطع من وسائل الاعلام الغربية والشرقية من اجل الاطلاع على ما انتج في هذه المعهد، الى درجة يعجز معها عن الوفاء بتحقيقها، كما ان هيئة المتاحف الفرنسية قررت اقامة متحف شامل في الخريف المقبل في متحف قصر الاكتشافات في باريس لعرض ما توصل اليه العرب والمسلمون من اجهزة وآلات ونظريات نابعة من عنايتهم بالعلوم التطبيقية، بينما قدمت اليابان طلبا لانتاج فيلم عن نشاط المعهد، يعرف المشاهد الياباني وربما العالمي بمساهمة المسلمين في الحضارة بشكل عام ومنها بالطبع قاطرتها الرئيسية وهي العلوم وتطبيقاتها. خلط وقصور هذه المؤشرات التي عرضتها من ضمن طائفة واسعة من الامثلة تدلل على ما ذهبنا اليه، وهو ازدياد الطلب الغربي والعالمي لمعرفة «الفكر الاسلامي» وهو امر يحتمل نتيجتين متناقضتين في نهاية المعادلة، فإنا ان يزيد ما هو معروض من مساحة الفهم السلبي لهذا الفكر، واما ان نحاول ان نسد هذا الفراغ، فإن لم ننجح في ملء الفراغ بما هو صحيح وصواب من حضارتنا، فإنه سوف يملأ بما هو معروض ومتوافر، وهو في معظمه لا يصب في مصلحة العرب والمسلمين. هذه بعض اشكال ارتفاع الطلب على معرفة ماهية «الفكر الاسلامي» وطبيعته وجذوره والمنطق الذي يقوم عليه؟ في هذه التساؤلات الكثيرة من صدقية البحث عن اجابات الاسئلة تتردد في الغرب، وليس بالضرورة معرفة يراد بها التجريح او البحث عن الثغرات ومواطن النقص، ويقابل ذلك قصور في العرض الاسلامي وتشتت في الاستجابة الثقافية الاسلامية باتجاه الخلط بين ما هو «فكر» واجتهاد انساني يتراوح فيه المقبول والمرفوض، وبين ما هو من ثوابت الدين، في عالم سريع الايقاع تأخذ فيه وسائل الاتصال قصب السبق، فتزيد من هذا التشوش. في عالمنا العربي الاسلامي كل يسعى بطريقته للبحث عن تلبية الطلب المتسارع، ولكن هذه التلبية قليل منها فقط هو الذي يستند الى المنطق ويخاطب العقل الغربي اليوم، حيث المعضلة ان الكثيرين ـ في ظل حماسهم المبرر ـ يخلطون بين الدفاع عن «الثوابت» وتبرير عدم مسايرة المتغيرات. لقد كانت هناك، في كل العصور الاسلامية، مدارس فكرية اسلامية تعتمد على العقل، وتنهض للاستجابة للحاجات المتجددة للمجتمع المسلم، ففي كل زمان تتجدد الحاجات الى درجة ان احد المجتهدين المسلمين، وهو نجم الدين الطوفي، قد غلب المصلحة على النص، اذا اقتضت مصلحة المسلمين ذلك، كما ان هناك مدارس معاصرة تقترح استخدام المنهج العقلي لتفسير النصوص. الثابت والمتغير لقد عم فهم الطلب الغربي في مدارسه الجادة، حيث يتم التساؤل والبحث في النقاش الواسع، خاص المتعلق بما اصطلح عليه اسلاميا «المعاملات» التي تمس حاجات الناس اليومية وتستجيب للواقع المعيش، وهي ـ بطبيعتها ـ تخضع بالضرورة للتغيير من وقت الى اخر وبالتالي تقتضي تغيير الحلول التي تتصدى لها من زمن الى اخر، وهي خلاف «العبادات» التي تتصل بعلاقة الانسان بربه، فهي ثابتة وليست محلا للاجتهاد، وتغيير الفتوى فيما يتعلق بالمعاملات ليس له اي مساس بثوابت العقيدة التي هي، لدى العديد من الدارسين الثقات في الغرب، محل تفهم واحترام. المسارعة المتحمسة من قبل البعض الى الخلط بين الاثنين هي التي توقعهم في مأزق الدفاع عن اخطاء في المعاملات قام البعض باقتناصها مجتزأة عن السياق العام للفكر الاسلامي، وهي معاملات تتعلق بالاخر، وقد طبقت من فئة تطبيقها بعيدا عن ملابسات الزمان والمكان، ومقتضيات مصلحة المسلمين الراهنة، تفسيرا لمواقف كانت في الاصل استجابة لمتغيرات مختلفة. وسيظل الفارق بين الطلب والاستجابة الحقيقية المبتغاة كبيرا، الى ان تتضافر الجهود ويتشكل وعي مختلف عما هو عليه اليوم لدى مؤسساتنا وافرادنا المعنيين، فإن افتقد التحليل الصحيح لمشكلة ما افتقدت معه الاداة التي تعالجها، وبقيت الساحة فارغة، لتمتليء في الغالب باجتهادات تعمق الفجوة المعرفية بيننا وبين الغرب، وهي الفجوة التي يشكو الجميع من اتساعها. ـ امين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت