تحدثنا البارحة عن تلك المواقف المتناقضة التي يختارها البعض للتعبير عن رأيه حسب اللحظة التي يعيشها، والمكان الذي يتواجد فيه، فإن كان في موقف المتفرج اظهر قدراً من الشجاعة الادبية، ولو بطريقة هادئة، وفي دائرة محدودة بأنه لا يرضى بالابتذال والاسفاف تحت اي مبرر او سبب. ثم لما تحول من المكان الذي صار ذكرى من الذكريات، اذا به اول المؤيدين للفكرة التي عارضها سابقاً، واول المتراجعين عن ذلك الرأي الصريح يوم ان كان في طابور الجمهور!! اما السبب في هذه المزاجية الغريبة، وهذا التأرجح في المواقف المعلنة فهو الانسياق وراء الموجة الغالبة التي يخشى ذلك الانسان ان عارضها او تأخر في مجاراتها والانسياق معها ان يتهم بالسذاجة، وان يرمى بأنه شخص خارج عن الزمن، وبعيد عن مسايرة روح العصر، وانه مصاب بعقدة النظر الى الماضي، والتخندق في ناحية الافكار العتيقة والبالية، وكلها ـ كما ترى اخي القاريء ـ تهم تكفي الواحدة منها لتثير الفزع في اعماق مثل هذا الشخص المهزوم من الداخل، والذي يصعب عليه ان يعرف الصواب من الخطأ فيما يصدر من احكام وآراء تتناقلها الالسنة، وتطلقها الافواه الفارغة التي لم يعد يراها كذلك، وهو امر يدعو الى الرثاء حقا ان يصل الانسان الى سن متقدمة دون ان يعرف كيف يكوّن قناعاته الذاتية بعيداً عن الضغوط الاجتماعية وكيف يدافع عن قناعاته الخاصة، بدلا من ان يتحول الى دور التابع لغيره، والذي لا يقوى على مواجهة الاخطاء الشائعة، خشية ان يتهم بعجزه عن استيعاب لغة العصر!! وهكذا يرتمي مثل هذا الانسان في احضان الموجة التي يراها سائدة ليحظى بشرف اسباغ صفة التمدن والتطور على شخصه الضعيف، ممن جعلهم قدوته في الحياة، وأسبغ عليهم من الشرعية والسلطة مالا يمكن ان يمنحه لهم سواه من ذوي العقول التي تجيد التفكير والتحليل، وتبحث عن الحجّة والدليل، وتدافع عن قناعاتها الخاصة التي تعبر عن نظرتها للاشياء بغض النظر عن رأي زيد او عمرو من الناس. اما المشكلة الحقيقية، ومصدر تلك التبعية المطلقة فهو نقص المناعة الذاتية التي لا تتوفر إلا للاشخاص من ذوي السمات والخصائص القادرة على الصمود امام الرأي الآخر، ومواجهة ما لدى الاطراف المعارضة لرأيها، والمرونة في تقديم رأيها والاعلان عن موقفها دون اي خوف من النقد او اللوم او العتاب. ان المأزق الحقيقي الذي يستهلك وقت هؤلاء ويستهلك معه عقولهم بعد ان تصاب بالصدمة والفزع من مجرد التفكير في الشذوذ عن الرأي العام الذي يبدو لها مسيطراً على الوسط الاجتماعي الذي ينتمون اليه، انهم عطلوا في داخلهم كل قدرة على المقاومة او الرفض لتلك الموجات التي لا تعدو ان تكون مظهراً سريعاً ما يأتيه الجزر والتراجع امام المواقف الشجاعة والمنتمية لمبادئها وقيمها الاصلية اكثر من انتمائها لآراء دخيلة يرددها قوم من افراد المجتمع ليس لديهم ما يؤهلهم ليتولوا امر تسيير الناس، او قيادتهم، بعد ان اظهرت المواقف العملية انهم غير قادرين على ادارة انفسهم، ولذلك هم اعجز عن استلام دفة التوجيه للمجتمع، او تعليم احد من الناس!! وهل يقدر المفلس على اقراض غيره؟ وهل يقدر الظمآن على ان يهب لغيره الماء؟ ذاك هو المحال!! غير ان بعض الفارغين يصرون على ان لدى المفلسين ما يجلب السعادة او ما يبعث على الشعور بالامان، ولذلك فإن دعواهم باطلة وقضيتهم لا شك فاشلة!