يخيل إلي احيانا ان بعض الناس تستمع الى الاغاني والموسيقى بعيونها، ولا يخلو الامر من بعض المستمعين منهم ـ رجالا ونساء ـ الذين يهبون في حماس لهز خصورهم. ويكفي في اغانينا الجديدة ان تخلو من لحن جميل او ما يسمى «بالميلودي»، وان تعتمد فقط على الإيقاعات التي تكاد تشبه النقر على الصفيح، بينما يقف المؤدي «ولا اقول المغني او المطرب» وهو «يتنطط» كالنسانيس الحبيسة في اقفاص حديقة الحيوان وحوله عدد من فتيات شبه عاريات وكل منهن تتلوى كأنها مصابة بمغص كلوي حاد. وصدقوني لو قلت لكم انني لا استطيع التفرقة بين اغنية واخرى، او التمييز بين مؤدٍ وآخر، فكل هذه الاغاني ذات إيقاعات متشابهة واغلبها مسروق، واصوات المؤدين الحادة كصوت «المعيز» تكاد تتماثل ايضاً. واذكر تشبيها ظريفاً قاله لي الملحن الكبير حلمي بكر عند بداية ظهور ما سمي بالاغنية الشبابية، اذ اطلق عليها اسم «الاغنية الشباشبية» نسبة الى «طرقعة» الشباشب الحادة على الارض. وهذه الفرقعات المسماة بالاغاني تجاوزا او تعسفا هي تقليد اعمى للصرعات الغربية التي فرضتها القنوات الفضائية الراقصة على جمهورها في بلادها وعلى الجمهور العربي في وطننا. ولا يخلو الامر من ان تشاهد واحدا من هؤلاء المؤدين المقلدين في بلادنا وهو يرتدي ملابس فضفاضة مهلهلة تخلو من اي لمحة جمالية، ويضع قبعة مقلوبة على رأسه بحيث يغطي قفاه بجزء القبعة الامامي الذي يفترض انه يغطي الجبهة والعينين من ضوء الشمس. ولو عدنا الى مؤرخي الموسيقى والغناء لوجدنا ان الاغنية العربية كانت منذ اربعينيات القرن العشرين تتمتع بدرجة عالية من الرقي والجمال تأليفا ولحنا وغناء، واذا انحرف احدهم بالاغنية نحو الاسفاف او حتى المعاني الساذجة وجد على الفور من يقف له بالمرصاد ويلومه على خطئه. ورغم تلك السنوات التي شهدت طفرة في الموسيقى والغناء بفضل وجود فنانين كبار مثل عبد الوهاب وام كلثوم ورياض السنباطي والقصبجي وزكريا احمد ومن تلاهم من امثال وديع الصافي وسعاد محمد وفيروز والرحبانية وبليغ حمدي وكمال الطويل ومحمد الموجي ونجاة الصغيرة وفايزة احمد، ومن لم يتسع المجال لذكرهم.. اقول رغم تلك السنوات الجميلة وإبداعاتها ومبدعيها فقد وجدت في ديوان للشاعر الكبير بيرم التونسي قصائد تنتقد بعض الاغاني وخاصة اغاني الافلام. فانظر معي كيف يسخر بيرم من الحبيب الكسول البكاء الشكاء من الاحبة والعواذل، وذلك المحب الذي يغني للقطار متسائلا «يا وابور قوللي رايح على فين؟» واسمحوا لي ان انقل اليكم بعض أبيات هذه القصيدة الجميلة وعنوانها: «يا هل المغنى دماغنا وجعنا»: يا هل المغنى دماغنا وجعنا دقيقة سكوت لله دا حنا شبعنا كلام ماله معنى ياليل ويا عين ويا آه طلعت موضة غصون وبلابل شابط فيها حَزِين شاكي وباكي وقال مش عارف يشكي ويبكي لمين واللي جابت له الداء والكافْيه، طرشه ماهشْ سامعاه يا هل المغنى دماغنا وجعنا دقيقة سكوت لله ردي عليه يا طيور بينادي، وارمي له الجناحين وانت كمان يا بابور الوادي، قل له رايح على فين قل له اياك يرتاح يا بابوره، ويريحنا معاه ياهل المغنى دماغنا وجعنا دقيقة سكوت لله حافضين عشرة اتناشر كلمة. نقل من الجورنال شوق وحنين وأمل واماني وصد وتيه ودلال واللي اتعاد يتزاد ياخوانا وليل ونهار هُوّاه ياهل المغنى دماغنا وجعنا دقيقة سكوت لله