حكايتنا مع نهر النيل ونهر الأمازون كانت جزءا من حكاية جيل بل أجيال عربية بأكملها مع ما قد نصفه بأنه وتر الثنائيات في الحياة العربية المعاصرة.. الوتر الذي فتحنا العيون والأسماع فإذا بالقوم يضربون عليه ليل نهار ويكادون يحولون حياتنا الى أبيض وأسود.. الى سلب وايجاب ولقد شغفت أجيال ماضية ربما منذ بدايات القرن العشرين بحكاية سكسونيين أم لاتينيين وكم سالت أحبار الطباعة سطورا على صفحات الجرائد والمجلات في معارك ضمت أسماء نجومية في أديم ثقافتنا من أمثال العقاد وطه حسين والدكتور محمد حسين هيكل والدكتور محمود عزمي (وكان من أساطين الصحافة ورواد الدبلوماسية الدولية) وربما كان محمد كرد علي من سوريا وكان جميل الزهاوي من العراق - وغيرهم.. حيث دارت المساجلات حول قضية: هل نحن ـ العرب ـ متأثرون حتى لا نقول «منتمون» بثقافة اللاتين الفرنسية أم بثقافة السكسون (الانجليزية). في تلك الفترة وخاصة بعد سقوط الخلافة العثمانية في عشرينيات القرن الماضي نجمت ثنائية أخرى تحت عنوان «الحجاب أم السفور» وبعدها ثنائية أخرى كانت أكثر طرافة وعنوانها «الطربوش أم القبعة» كغطاء للرأس والمدهش أن كبار الكتاب كانوا يأخذون هذه المسائل مأخذ الجد الشديد ويشمرون عن سواعد الجد والاجتهاد بل الكّد والنصب (بفتح الصاد طبعا) لكي يحشدوا الأسانيد ويسوقوا الأسباب والمبررات التي تعضد ما يذهبون اليه. في مدارسنا كان لنا نصيب من هذه الثنائيات حين كان معلمونا يطلبون منا أن نكتب مواضيع التعبير في درس اللغة العربية وأحيانا أن نعقد المناظرات في قاعات المدرسة حول مواضيع من قبيل: المقارنة بين القطار والسيارة.. أو بين القرية والمدينة أو بين الصناعة والزراعة.. الخ. صحيح أنه كانت المقارنات ساذجة في معظمها ولكن الصحيح أيضا أنها كانت تلقّن هذه الأجيال التي كانت ناشئة أسلوب الجدل والحوار والنقاش والاحتجاج بالرأس إزاء رأي مضاد.. وقصارى الأمر أن يفهم الناشئ أن للحقيقة جوانب متعددة وأبعادا شتى ومفاتيح لا يحتكر ملكيتها أو حيازتها فرد بعينه أو فكر بذاته أو مؤسسة واحدة مهما بلغت من سعة النفوذ أو عمق التأثير. ألا ترى مثلا أننا ورثة فن الملاحاة وهي في القاموس المنازلة أو المساجلة وهي أيضا الملاومة والمناقضة.. وقد تكون مساجلة فنية وربما ابداعية ولا ضرر منها اللهم إلا اذا تدنت في الكلام ومنها مثلا نقائض جرير وخصمه الشهير الفرزدق.. وقد يصل أمر الملاحاة ـ كما كانت عوائد الجاهلية ـ الى درك التلاعن أو التشاتم الى حد التباغض الذي يشحن النفوس بالإحن ويكاد يعبئ الناس لامتشاق السلاح. وفي كل حال فلم يصل أمرنا مع نهر النيل ونهر الأمازون الى هذا الحد من عنف المقارنة.. بل كان قصارانا أن نحتج لنهر النيل قائلين انه أطول أنهار العالم.. ثم نتبرع ـ من باب المروءة الجغرافية ـ فنسمح بوضع الند أو القرين أو الغريم الأمازوني في المرتبة التي تليه قائلين: أما نهر الأمازون فهو ثاني أنهار العالم طولا. وربما كنا معذورين في هذا التعصب للنيل أولا من باب شراكة الانتماء العربي ـ الافريقي ـ المصري وثانيا لأن النيل إن طالعته يوما من نافذة طيارة قادمة من السودان أو من جنوب مصر فلسوف تدرك كم أنه عطية رب رحيم شفوق يشق صحراء الشمال من وادي النيل في صبر جيولوجي أقرب الى التعبد أو التبتل لا يرفده على امتداد مصر كلها فرع ولا تابع بل هو يحث الخطى ناشرا على ضفتيه خضرة الحياة والحضارة الى حيث تفيض بركاته عند الدلتا عن يمين أو شمال، شرق وغرب الى فرعي دمياط ورشيد ثم كان عذرنا أيضا أن قرأنا أن طول نهر النيل ـ باسم الله ما شاء الله ـ هو 6640 كيلو مترا بالتمام والكمال.. في حين أن طول خصمه ـ الأمازون هو 4800 كيلو متر فقط لا غير.. ولم نكن نعرف أن ثمة حسبة أخرى تضم الى النهر الكبير توابعه وروافده وهي بالنسبة للأمازون كثيرة وثرية ومتعددة وطويلة بشكل لافت للاهتمام (له أحد عشر رافدا) ما بين رافد «نغرو» الى رافد «اسنغو» الذي تنفتح عند حوضه الأدنى دلتا الأمازون. هنالك تحترس معاجم الجغرافيا فإذا بها تكاد تضع النهرين الأفريقي واللاتيني على مرتبة واحدة أو فلنقل متقاربة فتصف النيل والأمازون بأنهما من أطول أنهار العالم وبهذا قطعت الطريق على التعصب الجغرافي الذي جعلنا نتحمس للنيل على حساب الأمازون. ولقد قيض للعبد الفقير أن يتابع مجرى النيل حتى قرب حدود أو ولايات جنوب السودان وتفضل اخوتنا في الخرطوم فنظّموا رحلات شاهدنا فيها ـ مجرد مشاهدة ـ طبعا تماسيح النيل العملاقة وهي تتسّيد مجرى النهر العظيم بين مياهه والضفاف.. لكن المغامرة الحقيقية كانت حين قررنا ـ الفقير وبعض من رفاق العمل الدولي ـ أن نمخر عباب الأمازون وكان ذلك على هامش مهمة للأمم المتحدة حملتنا الى البرازيل وحضرنا خلالها أول وأهم مؤتمر عالمي معني بقضايا البيئة والتنمية في ريو دي جانيرو. يومها قررنا أن نزور مديرية «ميناؤوس» التي تسودها الغابات المطيرة الشهيرة في أحراش وأدغال الأمازون.. وأنت إذ تحملك الطائرة الى هناك - الى منطقة الوسط الشرقي من شبه القارة البرازيلية كما قد نسميها فكأنك تتحول من حياتنا الحديثة التي نعرفها الى حياة بدائية بكل معنى الكلمة.. حيث الغابة وملايين الشجر والسكان من الهنود المسالمين يعيشون على ما يشبه الفطرة وحيث تتردد في وجدانك أن كنت شغوفا مثلي بالنغم والايقاع ـ موسيقى الماء ـ من الأعمال التي أبدعها هاندل.. نعم في حوض البرازيل يحوطك الماء من كل حدب وصوب نركب باخرة صغيرة في مياه الأمازون فيخيّل اليك أنك لست في نهر بل في بحر لا يظهر له ساحل ولا حدود لانبساط وامتداد مياهه الى غير ما لا نهاية.. أما غابات الأمازون فلا تكاد تحوي من صنوف الحيوان الوحشي الآبد كثيرا ولا قليلا معظم سكانها من الطيور.. فصائل لا تكاد تحصى من الطيور.. حتى تماسيحها من النوع الصغير الأرقط (الليجاتور كما يسمونه) الذي شهدنا عملية اصطياده في رحلة نهرية والتقطنا طبعا صورة تاريخية الى جواره قبل أن يلقيه أدلاؤنا بعد أن يفكوا عنه خيوط الشبكات ليعود الى التقاط رزقه في مياه الأمازون. كان فندقنا عبارة عن نُزل متواضع مرفوع فوق قوائم الشجر العتيق الباسق وسط الغابة وتصل اليه عبر ساحة تعج بصنوف القردة عن يمين وعن شمال والقرود هم أكثر حيوانات الدغل الأمازوني شيوعا ومرحا.. ولأننا كنا بعيدين عن امدادات الحضارة فقد اقتصر طعامنا ـ بخلاف المعلبات ـ على الموز المقلي في زيت غريب بل مريب في الصباح وفي المساء.. مع ذلك فقد كانت المائدة تزينها أنواع شتى من فواكه غابات أميركا اللاتينية حيث تباينت الألوان والروائح والطعوم. يروعك حقا مرأى الأمازون وقد أحدقت بك مساقط المياه من كل جانب تستعيد الى الذاكرة عبارة «أبوالفداء اسماعيل» صاحب كتاب «تقويم البلدان» (توفي عام 1331 ميلادية) حين وصف نهر النيل بأنه «النهر العظيم المشهود الذي ليس له نظير في الوجود». ساعتها تبتسم لهذه المجاملة من جانب العم اسماعيل الذي لم يقدر له أن يرى نهرا عظيما ومشهودا اسمه الأمازون ولا تدري إن كان له أو لم يكن له نظير في الوجود. ولا بأس فالنيل ملك لأهله العرب ومن حقك وحقهم وحق صاحب التقويم أن تعزوا به وأن تشكروا فاطره على أن وهبه ـ سبحانه ـ الى السودان ومصر فضلا عن أقطار مجاورة أخرى تشاركنا شظف العيش ورقة الأحوال. ولقد كان من آيات هذا التغني بالنيل ـ قصيدة شوقي التي تغنت بها أم كلثوم.. ولعل الكثيرين لا يعرفون أن شوقي قد وجّه قصيدته الجميلة الى المستشرق مرجليوث أستاذ الأدب العربي في أكسفورد وقد بعثها شوقي اليه وقد صدّرها بكلمة نثرية يبلغه فيها أنه نظم القصيدة «قضاء لحق النيل الأسعد الأمجد».. وأن نسبها الى مرجليوث عرفانا لفضله على لغة العرب، وقصيدة شوقي من 133 بيتا(!) وقد نظمها من قافية القاف! بمطلعها المعروف: من أي عهد في القرى تتدفق وبأي كف في المدائن تغدق ومن السماء نزلت أم فجرت من عليا الجنان جداولا تترقرق؟