هل هي مصادفة ان يتحول الصراع بين أميركا والمسلمين الى صراع ديني بعد حوادث سبتمبر؟ ومن الذي كان مستعدا ومتهيئا لتحويل تلك الازمة الى حرب صليبية؟ لقد خاضت الولايات المتحدة معارك كثيرة مع العديد من الدول والجماعات ولكنها لم تتطرق الى ديانات اعدائها الا في هذه الحالة بالذات، فخلال حربها مع المكسيك لم تأت على ذكر المذهب الكاثوليكي الذي كان عليه كل الشعب المكسيكي، وخلال حربها مع اليابانيين لم يتم دراسة ونقد الديانات الكونفوشية والبوذية والطاوية، بل كان ينظر الى تلك الاديان على انها ضد العنف ومسالمة، وخلال الحرب الباردة بين واشنطن وموسكو لم تنتقد الصحافة الاميركية الديانة الاورثوذوكسية التي كان عليها الروس، بل كانت الادبيات الغربية تنتقد موسكو لابعادها الدين عن السياسة ومحاربة المتدينين والتضييق على الكنيسة، اذن لماذا اصبحت حوادث سبتمبر بداية الصراع بين الاسلام والمسيحية؟ كتب الكثير والكثير عن الاسلام بعد تلك التفجيرات، وكانت النظرة سطحية سخيفة غير حقيقية، ينظر الكاتب الغربي الى العالم الاسلامي من علو فيرى خريطته ممتدة من سواحل الاطلسي الى اندونيسيا، ثم ينظر الى العامل المشترك في هذه الخريطة فيرى التخلف والتبعية والهامشية والفقر فيربط بين كل ذلك والاسلام، ويعتقد ان ماكتبه كان عين الحقيقة وان الاسلام لابد ان يكون هو السبب في ذلك، ثم يحمد الله على ان هذا الدين لم يتسلل الى الغرب، لانه لو نجح لكانت لندن وباريس وجنيف تعيش تحت ظروف لاتختلف عن ظروف القاهرة وصنعاء ودمشق وجاكرتا وبغداد، ولكن هل هذا صحيح؟ من الغريب ان اغلب الدول العربية التي يدمغها الغرب على انها اسلامية هي في بنيتها علمانية تنأى بنفسها عن الدين، وان كان اهلها مسلمين مفتخرين باسلامهم، ولكن الانظمة العامة التي يعيش الناس تحتها بعيدة عن الاسلام، فلا الاقتصاد اسلامي ولا التعليم ولا تملك حكوماتها تلك النظرة الحانية التي وصى بها الدين على شعوبها، فلا الناس تعرف ما تريده الدولة منهم ولا الحكومات تعرف ما تريده من شعوبها، فاغلب الدول العربية انتقلت من المحافظة الى الليبرالية بعد استيلاء العسكريين على السلطة فيها، فالحكومات والشعوب مسلمة بمجملها ولكنها ليست اسلامية وليس للاسلام دخل في سوء الاقتصاد وتدني مستوى التعليم وفساد القضاء، وليس للاسلام علاقة بانتشار الكذب والغش والنفاق في الدول الاسلامية، بل كل ذلك يعود الى عدم قدرة الكثير من الدول المسلمة على ادارة نفسها واصلاح ذاتها للخروج من ازماتها. من الخطأ ان ينظر للاسلام على انه السبب في التخلف الذي عصف بالدول العربية والاسلامية ويتم التغاضي عن فساد الاحزاب السياسية وقسوة الانظمة العسكرية وتكرر الحروب واستغلال الاقليات ووجود السرطان الاسرائيلي في هذا الجسد المنهك، فبنظرة سريعة على تاريخ المنطقة نرى ان الوضع الاقتصادي في الدول العربية قبل استيلاء الاحزاب والعسكريين على السلطة فيها افضل بكثير من بعدها، ودول كاليونان واسبانيا والبرتغال كانت تعاني من ازمات اقتصادية منذ حوالي ثلاثين سنة مشابهة لما يعانيه الكثير من الدول العربية حاليا، ولكن الفرق ان تلك الدول الاوروبية اصلحت نفسها سياسيا وتبنت النهج الديمقراطي واجتازت ازماتها، في حين ان الدول العربية انتكست اوضاعها واضاعت مالها وتدهورت صحتها. وباختصار كانت شعوب اليونان واسبانيا والبرتغال من ثلاثين سنة تلقي بنفسها على سواحل بعض الدول العربية كما تلقي شعوب الدول العربية نفسها الان على اعتاب سفارات تلك الدول. يجب ان يكون واضحا جليا انه ليس للدين علاقة بالتخلف والتقدم، ان الاديان بمجملها تدعو الى الخير وترك الشر، والاديان عبارة عن اوامر ونصائح وتوجيهات ترفع البشر من الحيوانية الى الانسانية، ولكن الدين ليس مسئولاً مسؤلية مباشرة عن التخلف او التقدم. فديننا يدعونا لحب العمل والتضحية والاخلاص ولكننا لانطبق ذلك، والروس تبنوا عقيدة ليس للإله فيها دور وليس هناك جنة او نار او حساب او عقاب، ولكنهم وصلوا الى القمر وهددوا الولايات المتحدة الاميركية بصواريخهم، والبوذيون ينهاهم دينهم عن قتل الحيوان وايذاء الانسان ولكنهم يأكلون كل شئ حي ويخوضون حروبا تشيب لها الولدان. نحن المسلمين جزء من شعوب الارض ينطبق علينا ما ينطبق على الاخرين، ولكننا نملك دينا راقيا جميلا حيا نعتقد ونؤمن انه افضل دين على الاطلاق، ولكن ليس ذنب الدين اننا لانحسن تطبيقه وتسويقه. ـ رئيس تحرير «الجزيرة نت»