لو ان مكتب شركة «العال» الاسرائيلية في مطار لوس انجلوس لم يتعرض لاطلاق النار على يد شاب مصري في الرابع من يوليو الجاري، ولو ان احدى الطائرات الأميركية الخاصة، لم تسقط على منطقة سكنية في الولاية ذاتها في اليوم ذاته، لكان بإمكان الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش ان يخرج على مواطني بلاده وعلى العالم ليقول ان اول عيد وطني تحتفل به الولايات المتحدة بعد حدث الحادي عشر من سبتمبر كان «نظيفا»، وحتى انه كان «مدعاة للثقة» بالامن الأميركي، وبالامن في العالم كله، في مواجهة «الارهاب الدولي» الذي ما انفك بوش يحذر الأميركيين وشعوب العالم قاطبة منه. مع ذلك، يتأكد يوميا، وخصوصا في هذه المرحلة التي وصلت اليها «الحرب على الارهاب «التي ترعاها ادارة بوش، ان عدد الضحايا الفعليين للارهاب في العالم لا يقارن، كما تقول الاسبوعية البريطانية «الايكونوميست»، مع مدى الخوف المقيم، بل والرعب العارم، بين الناس على امتداد الكرة الارضية. ولكن هل الرعب حقيقي او مفتعل؟! يتأكد يوميا كذلك ان بعض هذا الرعب حقيقي من دون شك كما ان بعضه مفتعل ايضا. وبالقدر نفسه فان اسبابه، الحقيقي منه والمفتعل، لا علاقة لها فقط بسياسة «روما الجديدة» التي يقف وراءها بوش واركان ادارته، وانما كذلك بالوحش الكاسر الذي يطلق عليه تجاوزا اسم «اقتصاد السوق» او «الاقتصاد الحر» او «العولمة» الى آخر المعزوفة. وذلك هو المثير في الحكاية كلها. الا ان الأكثر اثارة هو انها، اضافة الى ذلك، جانب واحد من جوانب عديدة ومتنوعة للصورة التي ترسمها المخيلة الأميركية ذات الخلفيات والاهداف المتعددة ـ كما هو الحال بالنسبة لاي شيء أميركي !! ـ عن «الارهاب العالمي» وتاليا عن الحرب الشاملة التي تشنها عليه. قد يسأل سائل: وكيف يكون الخوف مفتعلا؟! الجواب اعطاه قبل اسابيع ـ وعشية العيد الوطني الأميركي الذي احيط بتحذيرات من الادارة لمواطنيها في الداخل والخارج ـ موقع أميركي على شبكة الانترنت، يحمل اسم «سلايت» Slate وكشف فيه جانبا من اللعبة القذرة فعلا... الجانب الذي قد لا يعرفه حتى المواطن الأميركي نفسه، ولا يعرفه طبعا اي مواطن آخر في اي مكان في العالم. وفي هذا التقرير تحديدا تكمن الاثارة، بكل ما تعنيه كلمة اثارة من معنى. تجارة الخوف! فقد جاء في تقرير الموقع الذي بثه يوم الثامن عشر من يونيو الماضي ما يأتي: ان وارن بافيت، الذي جمع ملياراته من تكهناته حول مستقبل السوق، يقوم بنوع من التكهنات اكثر رهبة هذه الايام. فـ «كاهن اوماها» (حسب وصف التقرير لبافيت) يستخدم ظهوره العلني العام في المرحلة الراهنة للتنبؤ بشن هجمات ارهابية جديدة على الولايات المتحدة الأميركية. وفي الاجتماع السنوي الاخير لـ «بركشاير هاتاواي» في مايو الماضي، اجتماع التسامر النموذجي لمستثمرين تقلقهم معدلات الاسعار بالنسبة للارباح، اعلن بافيت ان تفجير قنبلة نووية في مدينة أميركية ـ تفجير التريليون دولار النووي في مانهاتن مثلا ـ بات امرا لا يجوز استبعاده. «اننا مقبلون على رؤية شيء ما كحادث نووي رئيسي في هذا البلد. ذلك سيحدث فعلا. وما اذا كان سيحدث في خلال عشر سنوات او عشر دقائق او خمسين عاما، فليست تلك هي المسألة»، هذا ما قاله بافيت في اللقاء.. ومن على شاشة MSNBC الاسبوع الماضي، اعطى بافيت ترجيحاته التي تتحدث عن قنبلة قذرة، عن ارهاب بيولوجي، عن اول «عمل حربي» ضد اميركا. قال: «لا اعرف شيئا عن تهديدات محددة للامن الأميركي، لكنني اعرف الاحتمالات الاساسية.. انني افهم كيف تحدث بعد فترة من الزمن الاشياء التي تبدو غير محتملة الوقوع.. هناك اليوم الكثير من الناس الذين يكرهوننا.... المزيد من المضطربين عقليا، من المصابين بجنون العظمة، من المتطرفين دينيا اكثر مما كان عليه الوضع قبل خمسين عاما» (برغم ان المقابلة كانت مسجلة، فلم يتم بثها الا بعد ساعات من اعلان الحكومة رسميا انها اعتقلت المتهم بالقنبلة القذرة جوزي باديلا). ماذا وراء تحذيرات بافيت المريعة ؟! المال، وبخاصة الارباح التي تجنيها شركته القابضة العملاقة في مجال التأمين. ان ممتلكات «بركشاير هاتاواي» ـ وبخاصة منها شركتا «جنرال ري» و«جايكو» ـ تعود على الشركة القابضة بـ 55 في المئة من ارباحها السنوية البالغة 25 مليار دولار. لا أحد يجادل في ذكاء بافيت فيما يختص بتوقعاته البعيدة المدى. هو لا يزال ثاني أغنى رجل في العالم، وقد تجاوزت عائدات اسهمه كما اوردت سجلات «بركشاير هاتاواي» للعام الماضي عائدات عدد كبير من الشركات الاخرى... مثل الكوكاكولا وجيليت وغيرهما. الا ان العارفين في الوول ستريت يعلمون ان بافيت هو، في اعماق قلبه، رجل تأمين، وان التأمين هو ساحة العمل (البيزنس) المعقد الذي يقدم عبره تحذيراته من الارهاب. وبرغم ان شركات الاعمال (البيزنس) على امتداد الوطن تدفع اعلى اقساط تأمين لمؤسسات التأمين منذ الحادي عشر من سبتمبر، فمن المتوقع على نطاق واسع ان تشكل شركتا «جنرال ري» و«جايكو» جرف للمكاسب والارباح في المستقبل. لقد تحمل زبائن «بركشاير» ـ خاصة «جنرال ري» ـ خسائر قدرها 2.4 مليارات دولار نتيجة الهجمات على نيويورك وواشنطن. ولا تزال شركات «بركشاير» تصدر بوالص تأمين ضد الارهاب، الا انها تحدد مجالات هذه البوالص بأنها لا تغطي اي هجوم نووي اوبيولوجي او كيميائي. لقد اجبرت شركات التأمين الأميركية ـ مثل شركات بافيت ـ على التعامل مع الارهاب باعتباره قضية من قضايا الاعمال «البيزنس»، ولذلك فهو يشكل عنصر عدم ثقة كبيرا بالنسبة لها. ذلك ان هذه الشركات لا تغطي في العادة «اعمال الحرب»، لكن صناعة التأمين اعلنت انه ايا كان الوصف الذي يطلق على الهجمات، فهي (اي الشركات) ستدفع قيمة الخسائر. ولأن شركات التأمين تعرف انها لا تملك الموارد التي تجعلها قادرة على ان تتواءم مع عمليات الارهاب الكثيرة والمتكررة، فقد عملت بالحاح على اصدار تشريع يجعل من الحكومة الكفيل، او ربما مركز التأمين الاساسي، ضد اية هجمات محتملة في المستقبل. وبحسب بافيت، فان اكثر السيناريوهات احتمالا عن أسوأ عملية ارهاب في اميركا قد تلحق اضرارا بحوالي تريليون دولار، وفي ظنه ان صناعة التأمين قد تتعرض لتدمير كامل ما لم يجر تحديد مسئولياتها عن اخطار الارهاب، «انطلاقا من ان الحكومة الأميركية وحدها هي التي تملك الموارد لامتصاص مثل هذه الضربة»، كما يقول. ان بافيت، وشركات التأمين العملاقة الاخرى، يسعون مع الكونغرس لتوفير تغطية حكومية لعمليات التأمين ضد الارهاب، لكن الكونغرس لم يفعل شيئا جديا بعد في هذا المجال، بل انه فشل للآن في الاتفاق على ماذا يمكن ان يتضمن قانون تغطية من هذا النوع. ليست لدى بافيت اية رؤية حول الارهاب النووي المقبل مختلفة عن رؤية اي انسان آخر، الا ان لدى بافيت 33.2 مليار دولار من المحتمل ان يخسرها. وهو في اي وقت يدق فيه جرس الانذار، انما يعمل على ان يذكر الكونغرس بأن عليه ان يحمي صناعة التأمين. وما يفعله بافيت ليس تحليلا لمسألة الارهاب، بل مجرد حملة ضغط يقوم بها لوبي هذه الصناعة لخدمة مصالحها. هذا ما يقوله، مترجما بصورة حرفية تقريبا، التقرير الذي بثه موقع الانترنت الأميركي السابق الذكر. ومع ان التقرير لا يحتاج الى تفسير، لانه يقول الاشياء كما هي وبكل صراحة ووضوح، غير انه لا بد من التوقف عند عدد من الملاحظات كما يأتي: أولا: انه اذا لم يكن في خلد احد في العالم «كره» للولايات المتحدة، كما يتذرع بعض مسئوليها واجهزة الاعلام فيها، فانكشاف الغطاء عن مثل هذا الجشع في الاتجار بأرواح الناس وممتلكاتهم وبث الرعب في نفوسهم من الغير انما يخلق هذا الكره. ومن شأن ذلك بدوره، ويا للمفارقة، ان يزيد الذرائع من ناحية ومكاسب شركات التأمين من ناحية ثانية. ثانيا: ان «الارهاب» والحرب الأميركية عليه، المحلية منها والعالمية على حد سواء، باتا الآن ـ وربما كانا كذلك منذ اللحظة الاولى التي تلت الحادي عشر من سبتمبر في نيويورك وواشنطن مجرد سلعة في السوق الأميركية، يطرحها رجال الاعمال للبيع والشراء ممن يرغب بها، او يشعر انه في حاجة اليها، او حتى يريد دخول سوق الاتجار بها، كأي سلعة أخرى تباع بالجملة او بالمفرق، ولا ينقصها في النهاية سوى ان تختم بعبارة «صنع في الولايات المتحدة». ثالثا: ان تسجل احدى محطات التلفزة الأميركية مقابلة مع بافيت، ثم لا تذيعها (كما يقول التقرير) الا بعد الاعلان رسميا عن اعتقال المتهم بالقنبلة القذرة، فذلك يعني شيئين معا وفي وقت واحد: احدهما مؤكد وهو اشتراك الاعلام في الولايات المتحدة ـ او بعضه على الاقل ـ في لعبة رجال الاعمال ونشر الرعب بين الناس، والثاني غير مؤكد الا انه محتمل كثيرا ومن شأنه ان يثير علامات استفهام حول صدقية رواية القنبلة القذرة والمتهم بها، خصوصا وانها اعلنت بطريقة دراماتيكية ومثيرة للشكوك (من قبل وزيرالعدل جون اشكروفت بينما كان في زيارة رسمية الى موسكو) ثم ران صمت مطبق عليها وعلى التحقيقات التي يفترض ان تجري بشأنها. وفي التعريف الأميركي لـ «اقتصاد السوق» و«العولمة»، قد لا تكون «صناعة» الارهاب.. في خدمة شركات التأمين «مجال البيزنس الوحيد»، في الداخل الأميركي وعلى امتداد العالم كله. ـ كاتب لبناني