تشيع في مجتمعات كثيرة، منها المجتمع العربي، عادة لا تساعد على التوصل الى معرفة الواقع، وهي عادة اعطاء اجابات سريعة جاهزة على اسئلة تتطلب الاجابة المتأنية، المتعمقة المدروسة عنها. وفي هذه المجتمعات في احيان كثيرة يعتبر المجيب رفض جوابه او التحفظ عنه او انتقاده او رفضا او انتقادا لصاحب الجواب نفسه واهانة له. صاحب الجواب هذا لا يترك مساحة او حيزا بين نفسه وجوابه، بينما الحيز موجود من الناحية الموضوعية، اي ان رفض الجواب لا يعني رفض صاحب الجواب. وبالنظر الى ان الحيز موجود يجب على صاحب الجواب الا يعتبر رفض الجواب مساسا به واهانة له. وبالنظر الى ان السبب في نشوء هذا الرفض هو التسرع باعطاء الاجابة، ألم يكن من الحري بذلك الشخص ان يتريث في اعطاء الجواب تجنبا لاعطاء جواب متسرع يؤدي بالآخرين الى رفضه او انتقاده؟ وللتنشئة في المنزل وفي المدرسة وفي الجامعة دور كبير في تخليص الناس من صفة التسرع باعطاء الاجابة وفي جعلهم يميزون بين انفسهم واجاباتهم وبالتالي لا يشعرون بالاهانة لرفض آخرين لجوابهم. ولعادة اعطاء اجابة جاهزة سريعة غير متروية جانب سلبي آخر، ويتمثل في ان اصدار شخص لتلك الاجابة التي يظنها صحيحة يشعره بالاستغناء عن اعطاء اجابة اخرى صحيحة، وبالتالي لا يبحث عن اجابة اخرى. وهذه الاجابة الاولى تشغل في عقل المجيب حيزا من الصعب على جواب آخر صحيح او على رأي آخر ان يشغله بسبب شغل الاجابة الاولى لذلك الحيز. وتشيع ظاهرة اخرى مقيتة لها صلة بالظاهرة الاولى. وتتمثل هذه الظاهرة التي لا تساعد هي ايضا في التوصل الى الحقيقة، في المبالغة في الاطراء او المديح. من سمات هذه الظاهرة استعمال عبارات المديح لشخص الى الحد الاقصى الذي لا تمكن عنده الزيادة في ذلك المديح. الشعوب الانضج فكريا والاكثر تواضعا وواقعية لا تقبل بكيل المديح المبالغ فيه على ادبائها وشعرائها وفلاسفتها ومفكريها وفنانيها. ليس من السليم من الناحيتين الموضوعية والقيمية ومن ناحية التنشئة كيل المديح الكاسح الشامل لشخص لا يستحقه، او لشخص لعله نبغ في لون من ألوان الابداع والعطاء ولكنه لم ينبغ في ألوان اخرى. واذا نبغ شخص او تميز في لون من هذه الالوان فهو يستحق المديح والتقدير على نتاجه في ذلك اللون. غير ان المديح الذي يستحقه على نبوغه وابداعه في هذا اللون او ذاك يجب الا يحظرا على النقاد ان ينتقدوه، اذا استحق الانتقاد، على نتاجه في ألوان اخرى. ان نبوغه في لون ينبغي الا يعني انه يجب ان تكون نتاجاته في مجالات اخرى معفاة من الخضوع للانتقاد. ويمكن للناقد الواحد ان يشير الى جوانب نبوغ النابغة وابداعه في لون والى وجوه تقصيره في ألوان اخرى. هذه الظاهرة، ظاهرة كيل المديح على كل جوانب نتاجات شخص لمجرد انه نبغ في لون واحد او ألوان محدودة من العطاء، من اشد السلوك الفكري العربي خطرا، لان هذا السلوك يقيد الفكر تقييدا قويا، مما يحد من القوة على الانطلاق الفكري وعلى التصدي للتحدي المتمثل في اكتشاف الواقع ومعرفته. ومما من شأنه ان يسهم في اكتشاف الواقع ومعرفته طرح المسائل ودراستها ومناقشتها. وفي العالم اجمع، وعلى وجه الخصوص في البلدان النامية، لا يتم هذا الطرح والدراسة او لا يتمان بما يفي بالغرض الذي تقتضيه الحاجة. ان التردد او الخوف ينتاب من يود القيام بتلك الدراسة. ولذلك يتجنب الدارس طرحها ومناقشتها او لا يطرح سوى جانب او جوانب منها، ولا يكون تناوله لها صريحا تماما، ولكن يتسم ذلك التناول بقدر من اللف والدوران حول المسألة. ولذلك يأتي التناول مفتقرا الى قدر كبير من الموضوعية والصراحة، ويبقى عدد كبير من المسائل دون مناقشة، وتبقى عائمة وغير مبتوت فيها. وكثير من هذه المسائل جوهرية تتعلق بإدارة شئون الحياة ومصير الانسان وبنية المجتمع وتوجهه القيمي. وفي الحقيقة ان استجلاء هذه المسائل ضروري لاقامة المجتمع السليم في اسس قوية. وبالنظر الى التردد في طرح ومناقشة بعض المسائل او الى الاحجام عن ذلك، فإذا حدث ان جاء ذكر هذه المسائل يكون تناولها سطحيا او جزئيا او متسما بالمجاملة.