لماذا اقترنت الافراح والمناسبات السعيدة لدى الكثيرين باستضافة فرق من الدرجة المتدنية من حيث الاداء المخل بالذائقة اللغوية النظيفة، ومن حيث التعبير الجسدي الذي يصل الى حد الابتذال، والهبوط بالعرض الموسيقي الى القاع كلمة ولحنا واداء وتعبياً محكياً ومنظوراً؟! هذه سمة الغالبية من افراح هذا الزمان ولا ندري ما هو وجه استحقاق مثل هذه الفرق لتكون الخيار الوحيد لدى اغلب العرسان وكأنه لن يكون هناك زواج سعيد الا عن طريق هذا المستوى الرخيص من الطرب الذي ليس له من خصائص الفن والذوق والادب الا الادعاء ثم سرعان ما يسقط القناع، وينكشف عن مستوى هابط لا تتحمله اذن، ولا يستسيغه كل من لديه قدر من الحياء والذوق!! هذا الذي ارويه لكم ـ معشر القراء والقارئات الكرام ـ مشهد يتكرر في العشرات بل والمئات من حفلات الزفاف، واكثر ما يدعوني الى الشعور بالتقزز والرثاء لأصحاب هذه الحفلات الصاخبة هو ما اسمعه يتردد على ألسنة النساء ممن حضرن او شاركن في تلك الحفلات. الامر الذي يدعو للشعور بالاستياء من تدني الذوق، وهبوط مستوى الاحساس بقيمة الكلمة، وقيمة المشهد الذي تراه العيون المحدقة باستغراب شديد، وتعجب واستياء لا تخفيه الألسنة بل تنطق به بشكل هامس، وبصورة فردية او ثنائية تبدي من خلاله انها لا تؤيد مثل هذا النوع المتدني من العرض الفني الذي لا تراه فناً ولا ترفيهاً ولا شيئاً يدل على ذلك الاسم المستعار. الى هنا والمشهد فيه شيء من الاعتدال من حيث وجود من يرفض ويتعفف عن التجاوب مع هذا اللون القاتم لتلك الفرق المجلوبة من هنا وهناك، حيث ارقامهم معروفة، واسماؤهم اشهر من نار على علم، واكثر شيوعاً من اسم اكبر عالم او مفكر على سطح هذه الكرة المستديرة!! غير انك ـ ايها المتابع او السامع لتلك الانتقادات اللاذعة من ذلك الجمهور العريض ـ سرعان ما ستعجب وتصاب بالذهول حين ترى نفس الاشخاص الذين اصدروا حكمهم على هذه الفرق الغريبة يبادرون باستضافتهم، وإفساح الطريق لهم ليحلوا ضيوفاً على خشبة المسرح الذي يستأجرونه لإحياء حفلاتهم ومناسباتهم الخاصة، ويا للغرابة والعجب بين حكم الامس واختيار اليوم وبين الرأي السابق، والرأي اللاحق. فما الذي غير هذا الموقف وجعله ينقلب رأساً على عقب؟ وما الذي اضفى الجمال والقبول على تلك الفرق التي صدر في حقها حكم غيابي قبل مدة بأنها يجب ان تندثر، وتهجر ولا يفسح لها المجال لمزيد من التخريب الذي تمارسه في حق الذائقة اللغوية، والذائقة البصرية، واكثر من ذلك الذائقة العامة المرتبطة بمشاعر يرعاها ضمير المجتمع كالحياء واللياقة في عرض البضاعة، اية بضاعة حيث لا يسمح ضمير المجتمع، ولا ترضى قيمه ومبادئه الاصيلة باللعب على العقول، او تقديم بضاعة مغشوشة ليس فيها من المضامين والمحتوى الا ما يخدش الحياء، وما يندى له جبين الضمير اليقظ. الذين اصدروا حكمهم القاسي في فترة قصيرة ماضية فقدوا ذاكرتهم في لحظة الاختبار لمدى صلاحية ارادتهم للصمود امام الواقع. وبعد ان اصبحت الكرة في مرماهم، تدحرجوا من مواقفهم السابقة وهبطوا الى السفح والوادي حيث لا انكار او استنكار، انما هو الترحيب الحار، والمبادرة تتلوها المبادرة في البحث عن الهواتف المعروفة، لتلك الفرق التي تحولت بين لحظة واخرى الى فرق كل ما فيها جميل، وكل ما تقدمه اصيل، وهي الكفيلة بإنجاح تلك المناسبة الغالية، وجلب البهجة الى جميع الحضور. اما لماذا تبدل الحال، فذلك امر شرحه يطول، ولذلك أختزل اليوم واكمل غداً بمشيئة الله الجواب في السؤال التالي: لماذا تنهار الاحكام والآراء سريعاً لدى فئة من الناس حين يتاح لهم الاختيار، في قضية من القضايا كانوا بالأمس من أشد المعارضين لها، وإذا بهم اليوم اكثر المتحمسين لها. هذا موضوع حلقة الغد بإذن الله.