عند النقطة التي يبدو عندها أن فكرة الحوار مع الغرب ستتحول من مجرد دعوة إلى فعل، نجد أنها قد حبست في قنوات عربية رسمية ـ أو شبه رسمية ـ هي في النهاية جزء من البيروقراطية العربية، بأدائها القاصر.فهل يتصور منصف أن الجهاز الدبلوماسي لأية دولة عربية ـ أو للدول العربية مجتمعة ـ يستطيع أن ينجز بنجاح مهمة تمثيلنا في حوار حضارات، بينما لم ينجح في أن يرتفع بمستوى ادائه لينافس الأداء الدبلوماسي للكيان الصهيوني الذي حقق خلال العقدين الماضيين انتصارات دبلوماسية ضخمة مكنته من بناء شبكة تحالفات تمتد من أحراش أفريقيا إلى سواحل الصين؟ فإذا كان الحوار في النهاية ضرورة تحتمها اعتبارات عديدة، بعضها قديم مزمن وبعضها مستجد ملح، فإن خير ما يعبر عن المأزق العربي فيه هو المثل السائر: «بذل العرق في التدريب يوفر الدم في المعركة»، فلو أننا، قبل أن يدهمنا هذا الظرف الدولي الصعب، أعطينا نخبنا الثقافية العربية فرصة أن تنمو وتزدهر دون قيود سياسية وأيديولوجية وأمنية خانقة، لكان لدينا الآن مئات بل آلاف السفراء، غير الرسميين، يستطيعون مخاطبة العالم باللغة التي يفهمها، ويمكنهم بناء جسور تفاهم حقيقية معه. إن اعتماد منهج احتواء النخب الثقافية العربية بحيث تصبح نخبا «شبه رسمية»، أضر بالأمة كلها وإن كان قد حقق مكاسب سياسية قصيرة النظر.فربطها بالدولة بحبل سري تستمد منه حياتها، حولها إلى نخب عاجزة تفتقر إلى المصداقية، ولا تتقن إلا التوجه بأحد خطابين: إما التبرير، أو الدعوة للسخط، وكلا الخطابين شارك في رسم صورة قاتمة لواقعنا العربي. بل ان بعض الحكومات العربية في صراعها مع الإسلاميين أرادت أن ترسم لنفسها صورة تعجب الغرب بوصفها واحة للحرية، فاحتضنت كتابا لا يربطهم بثقافة أمتهم ولاء حقيقي، فصدرت عنهم إساءات إلى الإسلام لا تقل عن إساءات بعض المستشرقين، وها هي الآن تعود للوقوف في وجه هجمات تستهدف الإسلام والمسلمين مفتقرة إلى المصداقية.فصناعة النخب البديلة (دينية كانت أو لا دينية) أمر يسير، أما تحرير النخبة الحقيقية من قيودها لتنمو نموا طبيعيا وتزدهر وتنفتح على أمتها وعلى العالم فهو الاختبار الحقيقي، وضريبته مهما بدت كبيرة أقل بكثير من أن نذهب إلى حوار الحضارات بعد نزعنا بأنفسنا سلاح أمهر جنودنا. إبراء الذمة وقد كان للهجوم الضاري الذي شهده الإعلام الغربي على الإسلام: عقيدة وشريعة وثقافة، والمسلمين شعوبا وحكومات، دور كبير في تحريك مبادرات عدة، لعل أهمها مبادرة جامعة الدول العربية.ففي سياق عملية تطوير محدودة شهدتها بنيتها، اختارت جامعة الدول العربية تعيين مفوض لحوار الحضارات. وقد انطوى الأمر كله على مفارقات عديدة هي من المضحكات المبكيات بجدارة. فالجامعة وهي كما يعلم القاصي والداني تعاني ـ منذ نشأتها ـ عجزا عن إنجاز شيء ذي بال، أصبحت فجأة مطالبة بأن تمثل الأمة كلها في حوار حضارات في ظرف شديد الصعوبة.ليس هذا فحسب بل إن هذه الجامعة التي لم تفلح في بناء قدر كاف من التفاهم العربي ـ العربي ـ ومن يتأمل مشهد القمة العربية الأخيرة التي انعقدت في بيروت هذا العام يلمس ذلك من حجم التمثيل ودرجة حرارة الخلافات ـ أصبحت مطالبة ببناء تفاهم بيننا وبين الغرب! وينبغي الإقرار هنا بأن المشكلة لا تنبع من الجامعة نفسها، ولا يرجع إلى قصور في ادائها هي بشكل خاص، فهي جزء من النظام السياسي الرسمي العربي تعمل على المستوى السياسي تحت سقفه ولا يختلف أداؤها عن أداء غيرها من المؤسسات الرسمية العربية.وهي على المستوى الثقافي بنت البيئة العربية التي يعد الحوار فيها «قميص عثمان». فمن المحيط إلى الخليج تعاني معظم الأنظمة السياسية العربية أزمة في علاقتها بمعارضيها السياسيين بسبب غياب الحوار.بل بعض هذه الأنظمة ليس عنده لمعارضيه إلا الأسلحة الكيماوية أو الرصاص.وقد اتسعت دائرة العنف في مواجهة المعارضين لتشمل مواطنين بسطاء غير منتمين تنظيميا لأي كيان سياسي علني أو سري خرجوا للتعبير عن مشاعرهم في قضية هي محل إجماع وطني فواجههم الرصاص، فهل يمكن أن نكون جادين في الحوار مع الآخر بينما يحاور بعضنا بعضا بالرصاص؟ وهذا السؤال يطرح قضية بناء المصداقية التي هي شرط رئيسي لنجاح الحوار، على هذا المستوى لا يتوقف الخلل عند حد علاقة الأنظمة السياسية بالمعارضة بل يمتد ليشمل علاقة الأنظمة السياسية العربية ببعضها، فمصر والسودان رغم ما بينهما من روابط تاريخية ومصالح استراتيجية بقيا لسنوات يعجزان عن إدارة حوار سياسي ويتبادلان ـ عوضا عنه ـ هجمات إعلامية عنيفة.والجزائر والمغرب بينهما سجال خشن لا يكاد ينقطع بسبب مشكلة الصحراء.واحتلال العراق للكويت أدى إلى استقطاب عربي ـ عربي حاد احتاج علاجه لسنوات ومازال يلقي بظلاله على العلاقات العربية ـ العربية دون أن يفلح الحوار (الغائب) في وضع حد له. سياسة التضخيم والحوار المنشود من الضخامة والتعقيد بحيث لا يستطيع أن يضطلع به المفوض، بل لا يستطيع أن ينسقه، فهو في حاجة إلى مؤسسة ضخمة تبذل جهودا في رسم خريطة واضحة لكل من: نقاط التماس، ومواضع الخلاف، وإمكانات التلاقي، والآليات المناسبة لمعالجة كل منها.وهو عمل لا يمكن أن يكون فرديا، إلا إذا كان الهدف إبراء الذمة عن مسئوليتنا عن صورتنا في الغرب. وكما أن البعد المؤسسي مهم فإن البعد الشخصي هو الآخر مهم أيضا، لأنه يتصل بقضية بناء المصداقية.ومن يرجع بالذاكرة عدة سنوات عندما كان عمرو موسى أمين عام جامعة الدول العربية الحالي وزيرا للخارجية المصرية، يجد أنه كان أحد مهندسي ما سمي دبلوماسية مكافحة الإرهاب، وهي دبلوماسية اعتمدتها الدول التي شهدت مواجهات مسلحة مع جماعات إسلامية أصولية.وقد كان لها دور مؤثر في تضخيم صورة الخطر الأصولي رغبة في كسب تعاطف الحكومات الغربية.كما أن من أطلقوها لم يكن بإمكانهم منع تداعياتها، فالذهن الغربي بنى على هذه المعطيات وغيرها تصورات عن الإسلام كدين إرهابي والمسلمين كإرهابيين كانت لها صفة العموم. وبعد أن كان العنف الأصولي الإسلامي يتم تصويره كفعل إجرامي لا يحكمه سياق سياسي، أصبح يبرر بانحياز السياسة الأميركية للكيان الصهيوني، وكلا التفسيرين افتقر إلى المصداقية فكانت النتيجة المزيد من الإساءة لصورة الأمة كلها شعوبا وحكومات. وعندما تطورت دبلوماسية مكافحة الإرهاب لتصل إلى ما سمي تجفيف الينابيع كنا نقدم بأيدينا شهادة للغرب بأن الدين الإسلامي ينبوع من ينابيع الإرهاب. فالمفهوم كان يعني تغيير مفاهيم دينية اعتبرت مبررات شرعية للعنف الأصولي، وهو ما أضفى مشروعية على مطالبات غربية لاحقة بتغيير مناهج دراسية لاجتثاث الإرهاب من جذوره!! ـ كاتب مصري