كان نابليون بونابرت صاحب بصيرة قيادية سليمة حين قال «إن الجيوش تزحف على بطونها». ذلك أن جيشا لا تسنده جبهة خلفية قوية من الاقتصاد، ترفده بالمدد وتكفيه مؤونته من السلاح والعتاد والزاد، وفقا لتقديرات صحيحة لحاجته أثناء الاستعداد للقتال ثم عند وقوع الحرب. جيشا كهذا لا يمكنه ضمان الظفر، ومهما قيل عن أهمية المكونات المعنوية ومختلف العوامل غير المنظورة، كعدالة القضية والإيمان بها وحسن إدارة المعارك والعبقرية القيادية والإقدام والشجاعة.. فإن توفر الطاقات المادية التي يمكن حسابها بدقة لتعزيز المقاتلين، تبقى عنصرا حاسما في تحديد النتائج النهائية للحروب. إذا استعرضنا المشهد القائم في فلسطين اليوم، نرانا مسوقين إلى استعارة مقولة نابليون مع بعض التصرف. فالمنتفضون هناك يزحفون أيضا على بطونهم، ولعلنا لا نبالغ إن ذهبنا إلى أن حاجة الانتفاضة للعون الاقتصادي والاسناد المادي بكل مضامينها، تبدو أكبر وأكثر إلحاحا من ذلك العون الذي يرجوه جيش عاكف على جبهة قتال محددة. ففي الحالة الفلسطينية، يدور الحديث عن شعب بكامل هيئته وقطاعاته، تفرغ طوعا وكرها للمرابطة في جبهة حرب يصعب تعيين أبعادها. إنها حرب ممتدة طويلة الأجل شاملة المعاني، تكاد تصل بتداعياتها إلى كل جوانب الحياة. بونابرت ومعظم شراح المضامين الاقتصادية للحروب وفقه الانتصار والهزيمة، كانوا ومازالوا يقصدون بحديثهم الحالات التقليدية، التي تتخصص فيها طائفة أو قطاع من المجتمع، أو الدولة، بالقتال وقضايا الدفاع «أو حتى الاعتداءات»، فيما تظل غالبية أبناء المجتمع على ممارسة أنشطتها، وأقصى ما استهدفه هؤلاء الاستراتيجيون، أن تأخذ هذه الغالبية في اعتبارها الأوضاع الطارئة التي تقتضيها الحرب، بتكثيف الإنتاج وبذل مزيد من الجهد والوقت لتعويض الخسائر وتهيئة حاجات المقاتلين والاستنفار العام خلفهم. ويعرف هذا عموما بالتحول إلى اقتصاد الحرب. في فلسطين يستحوذ الناس على طاقة نضالية بالغة القوة وقدرة جبارة على الاحتمال، غير أنهم مطحونون ومشدودون بأوضاع اقتصادية مزرية، ومن يتأمل مليا وبعقل بارد تفاصيل هذه الأوضاع، لابد أن يصاب بالدهشة أو الذهول. ذلك أن أكثر من 60% منهم يقعون تحت خط الفقر و80% يعانون البطالة، علما بأن 50% من سكان الأرض المحتلة هم دون سن العمل بما يعني ارتفاع منسوب الإعالة وثمة بينهم قرابة أربعة ألاف من المعاقين، وقد استشهد منهم خلال شهور انتفاضة الأقصى فقط زهاء 2500 شخص وأصيب أربعون الفا وسجن نحو عشرة آلاف، ودمرت قوات الإحتلال الباغية مئات المنازل وكل مرافق البنية التحتية وجرفت آلاف الدونمات المزروعة وخربت مئات الآبار، ولم يسلم من إرهابها وإجرامها بشر هناك ولا حجر.. فكيف ومن أين تتأتى لهؤلاء شحنة المقاومة ومصادر استمرارية الانتفاضة؟! وما يثير أكثر أن معظم قوة العمل الفلسطينية كانت في الأصل، وعلى مدار سنوات ما بعد عام 1967، تعتمد في قوتها وقوت من تعول على سوق العمل الإسرائيلي. أليس مأساويا مثلا أن يبني الاستعمار الإسرائيلي مستوطناته بسواعد العمال الفلسطينيين الذين انتزعت منهم أراضي هذه المستوطنات؟ على كل حال، فإن الأخذ بفقه الانتصار والهزيمة يقتضى التفاتة عربية جادة وحازمة لتقوية بطن المرابطين في الأرض المحتلة. إن ثلاثمائة مليون عربي قادرون على أن يكونوا ظهيرا صلبا للجبهة التي يتمترس في خنادقها ثلاثة ملايين من لحم العرب ودمهم. عيب قومي خلقي وسياسي أن يترك المنتفضون نهبا للتفكير في قوتهم بينما يمضى سواد أمتهم إلى تشجيعهم والثناء على بطولاتهم عن بعد، وإن كان ثمة ملاحظات ومؤاخذات تتعلق بوجود فساد مالي وإداري أو سياسي في رحاب ولاة الأمر في فلسطين، فإن الأمة لن تعدم المداخل والآليات المناسبة لتجاوز هذه النقيصة. ولا ينبغي أن يؤخذ شعب بهذا الإباء والكفاحية بذنب نفر منه. لا نتحدث هنا عن دعم موسمي، يصعد ويهبط بحسب موجات الشحذ والتكثيف الاعلامية. ما نروم إليه أن يصبح تمويل المنتفضين هما يوميا من هموم الأمة بصعدها النظامية والشعبية، وذلك في الحالة الراهنة عربيا وفلسطينيا هو أضعف الإيمان.