الرئيس الأميركي بوش ـ ووراءه الادارة الأميركية ـ مازال يصر على ان السلطة الفلسطينية هي (رهينة الارهاب)، هذا ـ للأسف الشديد ـ صحيح، لكنه ـ للأسف الشديد أيضاً ـ لا يقول الحقيقة الكاملة، ولو أنصف الرئيس الأميركي لبلده وللحقيقة لقال: ان السلطة الفلسطينية هي رهينة للارهاب.. الأميركي ـ الاسرائيلي! فالسلطة الفلسطينية التي يتعرض شعبها للاحتلال النازي ويواجه المذابح الاسرائيلية ويعيش تحت الحصار والتجويع مطالبة بأن تعلن الحرب على كل من يقاوم الاحتلال وان تزج الشعب كله في السجون حتى تنال الرضا الأميركي. والسلطة الفلسطينية التي تدفع ثمن تنازلاتها في أوسلو وتوابعها مطالبة بأن تكون مهمتها الوحيدة هي ضمان أمن اسرائيل وإلا فهي متهمة بالارهاب أو رهينة له كما يزعم الرئيس البوش! والسلطة الفلسطينية لها بالطبع نصيب من الفساد والافساد ولكن الغريب ان يأتي طلب محاكمتها من رئيس متهم بالتحايل ومن الدولة الأعظم في القوة، وفي الفساد أيضاً! والسلطة الفلسطينية ليست بالطبع نموذجاً في الديمقراطية، ولكن المثير للغثيان ان يقف الرئيس الأميركي المشكوك حتى الآن في شرعية انتخابه ليطالب برحيل الرئيس الفلسطيني المنتخب، ويقول له انه حتى لو أعاد الشعب الفلسطيني انتخابه فسترفض أميركا ذلك وستسعى لتغييره ولو بالقوة!! وليس هذا دفاعاً عن السلطة، فهي بلا شك مطلوب محاسبتها على أخطائها، ولكن جهة الحساب الوحيدة لها هي الشعب الفلسطيني وحده، ومجال الحساب ليس عجزها عن توفير الأمن لإسرائيل، بعد عجزها عن استكمال مهمة تحرير الأرض وانهاء الاحتلال واعادة الأمن والحرية للشعب الفلسطيني المجاهد. وقد كانت نتيجة السياسات التي اتبعتها ان أصبحت في النهاية رهينة الارهاب.. الأميركي والاسرائيلي، وهو المصير الذي يتهدد كل الحكومات العربية التي تقف عاجزة في وجه العدوان الاسرائيلي والتواطؤ الأميركي الذي يريد تحويل الوطن العربي كله إلى منطقة مستباحة له باعتبارها بؤرة لـ «الارهاب» كما تزعم الادارة الأميركية وهي تقود الولايات المتحدة إلى حرب صليبية جديدة. آخر حلقة في حملة الارهاب الموجهة للعرب كانت إعلاناً رسمياً أميركيا للمرة الأولى عن القدرات النووية الاسرائيلية، حيث أعلنت نشرة عسكرية صادرة عن مركز حظر انتشار الأسلحة النووية التابع للسلاح الجوي الأميركي ان اسرائيل تمتلك اكثر من أربعمئة قنبلة نووية بينها قنابل هيدروجينية، وهذا التقدير يبلغ ضعف حجم التقديرات السابقة لأجهزة المخابرات التي كانت تتحدث عن مئتي قنبلة اسرائيلية فقط. الغريب ان التأكيد الأول من جهة عسكرية أميركية رسمية على القدرات النووية الاسرائيلية تجيئ مع الاعلان عن ان نائب وزير الخارجية الأميركي لشئون الأمن ومراقبة التسلح (جون بولتون) سيصل اسرائيل خلال أيام للتباحث وتبادل المعلومات حول سبل منع انتشار الأسلحة النووية والبيولوجية والصواريخ لا في اسرائيل، ولكن في إيران والعراق وليبيا التي أكد مصدر اسرائيلي اصرار بلاده على تخريب محاولات هذه الدول للتزود بأسلحة الدمار الشامل لأنها ترى في تزويد أي دولة عربية أو ايران بسلاح نووي أكبر خطر على وجودها!! وليس صدفة أيضاً ان يتحدث الكاتب الأميركي توماس فريدمان في الاسبوع نفسه في «النيويورك تايمز» عن المخاطر التي تواجهها اسرائيل فيركز على جيل جديد يراقب ما يدور في فلسطين، على شاشات المحطات الفضائية والانترنت ثم يضيف: «ومن بين هذا الجيل الجديد سيتوجه عشرات إلى آبائهم ذات يوم ليقول كل واحد منهم: أبي، هناك رجل باكستاني على الباب يبيع قنبلة نووية في حقيبة، وهو يريد شيكاً بمئة ألف دولار، وانني سأرغب شخصياً في نقل الحقيبة إلى تل أبيب». ويضيف فريدمان قائلا: «وسيوقع الاب على الشيك»!! وبغض النظر عن التهويل الكاذب من المخاطر العربية على اسرائيل، لتدبير جرائمها واحتلالها للأرض العربية وانفرادها بالأسلحة النووية، ولارهاب الدول العربية حتى تخضع للاملاءات الاميركية، ولفتح الباب أمام الولايات المتحدة لضرب العراق وربما إيران وليبيا تحت زعم انها دول تسعى لامتلاك أسلحة الدمار الشامل التي ينبغي ـ من وجهة نظر أميركا ـ ان تكون حكراً على اسرائيل في المنطقة، بغض النظر عن كل هذا الارهاب الأميركي ـ الاسرائيلي الذي يستهدف كسر الارادة العربية، فإن للصورة جانبها الآخر الذي يؤكد ان القوة ـ مهما كان حجمها ـ حدودها التي لا تستطيع تجاوزها. ان اسرائيل التي أعلنت أميركا ـ رسميا ـ امتلاكها لأربعمئة قنبلة نووية تواجه ـ قبل الدول العربية ـ خطر هذه الترسانة النووية، وهاهي مجلة «فورين ريبورت» البريطانية المتخصصة في الشئون العسكرية تؤكد ان اسرائيل نجت من «كارثة» كبرى حيث اعتقلت في احدى القرى القريبة من القدس مجموعة من الفلسطينيين كانوا يعتزمون تنفيذ عملية قرية «زخاريا» وهي المنطقة التي تخزن فيها اسرائيل صواريخها بعيدة المدى وقنابلها النووية، وقالت المجلة ان الفلسطينيين كانوا ينوون تفجير أنفسهم في هذه المخازن! وفي الوقت الذي كان فيه رئيس الاركان الاسرائيلي السابق الجنرال شاؤول موفاز يتباهى في حفل توديعه قبل تقاعده بـ «جبروت الجيش الاسرائيلي» الذي بفضل قوته جعل الفلسطينيين يدركون انهم لن يحققوا أهدافهم عبر العنف والارهاب!! وفي الوقت الذي كان هذا الـ «جبروت» تجري ترجمته على الأرض الفلسطينية قتلاً وتدميراً واعتقالاً وحصاراً واذلالا، كان المتحدث باسم البيت الأبيض الأميركي يبرر التواطؤ الأميركي مع كل هذا الـ «جبروت»، فيعلن قلق الرئيس بوش على مستقبل اسرائيل!! ولم يتأخر الصحفي الأميركي اليهودي «توماس فريدمان» في ترجمة هذا «القلق» الذي يعاني منه الرئيس الأميركي فيكتب عن التهديد الحقيقي لوجود دولة اسرائيل، ورغم انه يحاول تبرير ما تفعله اسرائيل ويحمل الفلسطينيين ـ كالعادة ـ مسئولية ما يحدث لهم، لكنه في النهاية يقول انه حتى إذا ذهب عرفات، وحتى إذا كانت أغلبية الاسرائيليين على استعداد لاعطاء خليفته كل الضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية، فإن المتطلبات والقيود الأمنية على السيادة الفلسطينية التي سيصر عليها الاسرائيليون ـ في أعقاب الانهيار الكامل في الثقة على مدى العام الماضي ـ سوف تكون كبيرة لدرجة انه لن يكون بوسع أي زعيم فلسطيني قبولها. ويضيف فريدمان: إذا كان هذا هو الأمر فإنه يعني ان حل الدولة من خلال دولتين سيكون مستحيلاً، وان اسرائيل سيكتب عليها(!!) ان تحتل الضفة وغزة بصورة دائمة، وبنفس الطريقة التي حكم بها البيض في جنوب أفريقيا في ظل الفصل العنصري. وهنا تكمن مشكلة اسرائيل كما يراها فريدمان لأنه بحلول عام 2020 سيكون الفلسطينيون هم الأغلبية، وسيكون هذا هو الخطر المميت على اسرائيل الذي يتمثل أملها الوحيد ـ في رأي فريدمان ـ في التخلي عن الأراضي والتقليل من احتكاكها بالعالم العربي، وهو ما تجاهله الرئيس الأميركي في (رؤيته) خوفاً من الناخبين اليهود. هكذا.. وسط ممارسة أقصى درجات الارهاب الاسرائيلي الأميركي على الفلسطينيين والعرب جميعاً يتصاعد «القلق» على مستقبل اسرائيل! ووسط تباهي الاسرائيليين بـ «جبروت» جيشهم وما حقق من انتصارات!! وما ارتكبه من جرائم فاقت جرائم النازيين يتصاعد الاحساس المتناقض بالخوف من المجهول! ووسط اختلال موازين القوى المريع تبدو القوى عاجزة عن حسم الأمر، ويعرب الأميركان عن «القلق» وتكشف أميركا واسرائيل عن حجم الترسانة النووية الاسرائيلية وتكتشفان في الوقت نفسه حجم الخطر الذي يمثله هجوم استشهادي فلسطيني على هذه الترسانة. قد يكون كل هذا «القلق» الأميركي و«المخاوف» الصهيونية مجرد غطاء للحرب القذرة التي يتعرض لها شعب فلسطين، والتي تهدد أميركا بتوسيعها لتشمل لبنان وسوريا لاستئصال المقاومة، والعراق وايران تحت زعم سعيهما لامتلاك أسلحة الدمار الشامل، ومع ذلك فإن الحقائق التي يتجاهلها المستسلمون العرب يعرفها الاعداء ويسلم بها كاتب منحاز لاسرائيل مثل فريدمان حين يخلص في مقاله إلى انه «ربما يكون جورج بوش يقف في جانب اسرائيل، ولكن التاريخ والتكنولوجيا والاتجاهات السكانية تقف جميعاً ضدها». كنا نقول ذلك فنتهم بالجنون، فما رأي المستسلمين العرب حين يجيء الخطاب من المعسكر الصهيوني نفسه، حتى وان اختلفت المقاصد وتباينت الاهداف؟ كانوا ـ وما زالوا ـ ينطلقون من نقطة عجزنا وقوة العدو.. ولكن عجزنا ليس قدراً محتوماً، وقوة العدو لن تكتب كلمة النهاية في معركة المصير، قد تربح حرباً وقد تكسب جولة ولكنها لن تضع نقطة الختام.. وقد تمارس كل أنواع القهر وتملك كل أسلحة الدمار، ولكنها لن تلغي حقائق التاريخ والجغرافيا ولن تضمن ان يكون المستقبل كما تريد أو كما أو كما تصورها أوهام القوة الحمقاء. قد تخضع الحكومات لارهاب القوة الاعظم واملاءات البيت الأبيض، وقد يبلغ العجز بالبعض ألا يرى طريقاً لاستعادة الحقوق أو ما يتبقى منها إلا «التسول» أو «التوسل» لواشنطن. وقد تشتري الانظمة بقاءها بتقديم التنازلات عما لا يجوز التنازل عنه أو السكوت على المهانة العربية أو بابتلاع الهزائم بحجة العقلانية والواقعية وادعاء الحكمة. لكن الشعوب لا تفعل ذلك، الشعوب تعرف انها الباقية رغم كل المحن وان الهزيمة ليست قدرها المحتوم، وان قوة ـ العدو ـ مهما بلغت لن تجعله يفلت من مصيره. نعم.. تنهزم الامة العربية أمام تحالف الشر الأميركي ـ الصهيوني، ولكنها أقوى من الهزيمة حين ترفع راية المقاومة وترفض مهانة الاستسلام، وينتصر العدو لأنه يملك السلاح ويرتكب المذابح ويغتصب الأوطان ويهدد بنشر دماره على كل الأرض العربية، لكنه ـ وهو يمارس كل غطرسة القوة ـ يعرف أنه أصغر من الانتصار وأضعف من ان يضمن مجرد البقاء. هذه هي حكمة التاريخ، يفهمها شعبنا العربي وهو يرفض الهزيمة ويتمسك بالمقاومة، ويفهمها (العدو) وهو يعلن القلق على مصيره كلما تمادى في حماقة القوة، وتتجاهلها جماعة المستسلمين العرب، وهي (تتسول) الحل من العدو لعله ينعم عليها بشهادة حسن السير والسلوك فتبقى في مقاعدها، أو يضمن لها مكافأة نهاية الخدمة في أسوأ الأحوال، مع انهم لو استمعوا لصوت الشعب وفهموا حكمة التاريخ، لأدركوا ان الذين يعرضون على الفلسطينيين دولة مؤقتة هم أنفسهم المؤقتون، وان الذين يمارسون أبشع أنواع غطرسة القوة هم أول ضحاياها! ـ نائب رئيس تحرير اخبار اليوم المصرية