هل يتعارض مفهوم الترويح والاستجمام مع مفهوم تطوير شخصية الابناء، واستثمار وقت الفراغ لتحقيق مكتسبات على الجانب التربوي أم لا؟ سؤال يرد في أعماق الكثيرين من الآباء والأمهات، ويتردد صداه في جنبات نفوسهم دون ان يجدوا له في بعض الاحيان اجابة شافية، وحينها يتصدون بأنفسهم للاجابة التي تتراءى لهم من ذلك المخزون المعرفي والثقافي الذي يملكون! فإن كان مخزونهم من تلك الموارد الثقافية كبيراً فإن الجواب لاشك سيكون شافياً وتاماً، وسوف يتجه الى الموافقة والايجاب بإمكانية تحقيق الهدف التنموي لشخصية الابناء من خلال الاجازة الصيفية، والبرامج الترويحية التي تتخللها. أما إذا كانت موارد الآباء المعرفية شحيحة وبسيطة فإن تسلمهم للاجابة من تلك الموارد القليلة لن يكون في صالح الهدف الذي يبحثون له عن أرضية تستوعبه وتمهد له، حيث ان تلك الافكار البسيطة التي تتوفر لديهم ستعجز عن اسعافهم برؤية صحيحة لكيفية توظيف الاستجمام والتروح عن النفس في صقل شخصية الابناء، ومن ثم حمايتهم من تمييع أوقاتهم وهدر ذلك المورد العظيم الذي نسميه «الوقت» والذي يمثل هبة عظيمة جاد بها الخالق على المخلوقين وأودعهم أمانة حفظها وصيانتها من العبث أو التضييع! إن مسألة توظيف الترويح لتزويد الابناء بمفاتيح قادرة على استثمار ما لديهم من طاقة ومن حيوية في الاتجاه الصحيح مازالت تحتاج الى مزيد من التوعية المجتمعية التي على العديد من المؤسسات الجماهيرية والثقافية أن تتقدم نحو المساهمة بدور ازالة الستار عن تلك الغشاوة التي تغطي على مفاهيم الآباء والأمهات، وتقودهم الى التساهل الشديد والسماح بتسرّب وقت العطلة والفراغ دون فائدة تذكر، أو انجاز يساهم في صناعته الابناء والبنات. بداية لابد من تحديد هدف معين يتحقق خلال الاجازة الصيفية، وهذا الهدف يجب أن يكون واضحاً لدى الجميع، حيث على الأسرة ان تجتمع على مائدة الحوار، ليدور نقاش مفتوح حول الطريقة المثلى التي يمكن من خلالها تحقيق أكبر قدر من الاستفادة من العطلة الصيفية. وهنا يجب ان يفتح المجال للأبناء ليعبروا عن حاجتهم الفعلية، ولا يكون الأمر المراد تنفيذه في الاجازة نابعاً من الآباء، ويملى على الأبناء املاء ثم يطلب منهم السمع والطاعة والاذعان. هذه القرارات العلوية السلطوية لا تعبر عن قناعات الأبناء إنما تعبّر عن أفكار الآباء وهو خلط شديد في الكيفية الصحيحة التي من خلالها يتحمس الناشئة للقيام بأدوارهم المطلوبة دون اللجوء الى استخدام لغة الأوامر والنواهي والتهديد والوعيد، فتلك أدوات ناقصة وعاجزة عن خلق روح الرغبة في الانتماء الى أفكار الوالدين. الطريقة الصحيحة المؤهلة لتحقيق الأهداف التربوية هي استخدام أسلوب الحوار والاصغاء الى حاجات الابناء الفعلية، ثم النقاش حول تلك الحاجات والوصول الى قناعات عامة بجدوى تحقيق تلك المطالب طالما انها في دائرة العمل الايجابي، وفي محيط الاشياء المباحة بل والتي يرى الابن انها في صالحه ومن صميم احتياجاته. فالابن حينما يتفق مع الأب على اهمية المطالعة يجب أن يستمر مشوار الاصغاء الى آخره، ولا يقطع الأب حبل الافكار المعروضة بين يديه فيطالب الابن بقراءة الكتب التي في مكتبة المنزل، فليس شرطاً ان تكون تلك الكتب ما يغري الولد والبنت بالمطالعة أو حتى الالتفات نحوها والانشغال بها. إذن اصطحاب الابناء الى مكتبات توفر لهم ما يحتاجون من كتب هي الطريقة الصحيحة لتفعيل أجواء الثقافة في محيط العائلة. المطلوب بالتحديد ـ وفق ما تمّ طرحه ـ أن يوضع برنامج مشترك تختفي فيه الروح الفردية، وتبتعد عن الارادة الفوقية ليشارك الجميع في صياغة ذلك البرنامج المتنوع، ويتاح لكل فرد أن يعبر عن رأيه واقتراحاته الخاصة، في ذلك الوقت سيحظى العمل بقوة الارادة الجماعية والرغبة المشتركة، وحينها لنا أن نتوقع قدراً مرتفعاً من الحماس من أجل انجاز ما تم الاتفاق عليه