منذ رحيل المهدي الفُجائي في 1885، وبيته لا يزال مسكوناً بفيروس الانقسام السياسي. الخليفة عبدُاللّه لم يتوان في استخدام العنف والدهاء المسلّح لقمع «حركة الأشراف» التي نهضت في وجه سلطته مطالبة بحقّها في وراثة الإمام. وحده عبدالرحمن المهدي كان يحظى ببسط نفوذه واحترامه في أوساط العائلة، مسنوداً بحقه التاريخي الوراثي المباشر وقدراته المالية ووضعه الاجتماعي المرموق. غير أن عبدالرحمن نفسه كان يلمس بحسّه السياسي خطر «الطموحات الشخصية لعبدالله الفاضل المهدي الذي كان يسعى لخلافة السيد عبدالرحمن». فكان ذلك أحد الأسباب التي دفعت عبدالرحمن إلى النأي عن جماعة الاتحاديين في مؤتمر الخريجين، إذ أن «عبدالله الفاضل أصبح يستخدم المؤتمر لتعزيز نفوذه» ـ حسبما يورد الدكتور فيصل عبدالرحمن علي طه في سفره التاريخي القيّم «الحركة السياسية السودانية والصراع المصري البريطاني». عبدالرحمن المهدي فتح لنا نافذة مُبكرة لفهم التوتر الذي حدث في ما بعد بين ابنه الصديق الذي ورث عنه زعامة الأنصار وبين عبدالله الفاضل الذي كان يرى أنه أحقّ بالوراثة. ذلك إحساس لا بُد أنه كان يخالج الصادق الصديق عندما وجد الزعامة قد ذهبت إلى عمه الهادي عبدالرحمن المهدي، لكن الصادق أسبغ على انشقاقه على عمه مسوحاً أيديولوجياً إذ تبنّى فكرة «لبرنة» حزب الأمة وتحديث رؤاه السياسية بهدف استقطاب قطاع عريض من المثقفين و«توسيع المواعين» لاحتواء قوى المجتمع الحديث. كان شعار «السودان للسودانيين» الذي تبنّاه حزب الأمة في مرحلة النضال من أجل الاستقلال قد بهت وفقد جدواه في مرحلة البناء الوطني وسعى الصادق لاستبداله بشعار وطني في تحركه ضد عمه. عقب مصرع الهادي المهدي على الحدود السودانية الشرقية إبان حقبة النميري خرج أحمد عبدالرحمن المهدي مطالباً بحقه التاريخي في زعامة الأنصار. تحت مظلة التحديث أتى الصادق ببدعة عندما نادى بانتخاب الإمام. فالتصويت في هذه الحالة يفتح الباب أمام تجريد الإمام من سنده التاريخي. أبناء الخليفة عبدُاللّه لم يكونوا بعيدين عن دائرة الصراع، بل ظلّوا يشكّلون طابوراً مهماً في تغليب طرف على آخر منذ أن أبرق عمر الخليفة الأمم المتحدة متنازلاً عن حقّه في حكم السودان لصالح الملك فاروق وحتى الانقسام الأخير. في هذه الخلفية التاريخية نفهم جانباً من انشقاق مبارك الفاضل على الصادق، ليس لأنه عُرضة فقط للفيروس العائلي، بل لا بُد وأن مباركاً قد أحسّ بأن مصيره لن يكون أفضل من أبيه. فالمشهد داخل حزب الأمة يوضح أن الصادق يعزز قبضته على عصب الحزب ويحيط نفسه بمجموعة من أبناء الحرس القديم الذين كانوا قد وقفوا إلى جانبه عندما قاد الانقلاب على عمه الهادي. ثمة استدعاء للماضي في ذاكرة مبارك. فالحزب يبدو رهين أبناء الغرب والقبائل وفروع الصادق، بينما هو يفقد موقعه المتقدم الذي يؤهله له حقّه الوراثي التاريخي. لا بُد أن يعترف الصادق بأنه أخطأ كثيراً في حقّ مبارك عندما دفع به إلى موقع هامشي في هرم الحزب. ولا بُدّ أن يعترف الصادق بأنه قلّل من فهمه لديناميكية مبارك السياسية وجرأته على المواجهة والخصومة والتحدي، مع أن الصادق كان شاهداً على كل ذلك إبان أداء مبارك في أمانة تجمع المعارضة في الخارج. غير أن خطأ الصادق لا يُبرّر خطيئة مبارك في الانشقاق، فرغم رفعه شعار «التجديد والتطوير»، إلا أن المشروع برمّته يفتقد الرؤية الفكرية للتجديد أو التطوير. ربما كان أفضل لو رفع مبارك شعار «المؤسسية داخل الحزب». الأفضل من ذلك حتماً لو صبر حتى انعقاد المؤتمر المعلن في يناير، فقد كان بإمكانه إحداث انقلاب لصالحه داخل إطار الشرعية الحزبية. لكن الواضح أن تحرك مبارك يهدف برمّته إلى اللّحاق بقطار النظام ليس غير. ما هذه بالقضية ذات الأولوية لحزب جديد يبشّر بالتطوير. لم يعد مبارك أسير نفوذ مالي لدى الإمام وهو يملك حقاً تاريخياً وراثياً يؤهّله للزعامة وأكثر من ذلك يملك صهراً متنفذاً داخل النظام. في ثنايا شخصنة القضية، لا يستبعد المرء تحالفاً بين الرجلين الصهرين على مرحلة جديدة من التحالفات وقيادة الانقسامات. لكن النظرة المتأملة للقضية لا ترهن الانشقاقات السودانية إلى مجرد الطموح الشخصي المشروع منه أو المفترى. المسألة أعمق من ذلك إذ أن الساحة السياسية في الخرطوم تعجّ بظاهرة الانشقاق منذ «الأشقاء» و«الاتحاديين» مروراً بالحزب الوطني الاتحادي وحزب الشعب ومصادمات اسماعيل الأزهري وعلي عبدالرحمن وانسلاخ مجموعة صادق عبدالله عبدالماجد أو جعفر شيخ إدريس عن «الإخوان» والانقسام الشهير في وسط الحزب الشيوعي في بدايات عهد النميري وانتهاء بخروج البشير من معطف الترابي والهندي عن عباءة الميرغني وتمرد ريك مشار على قرنق أو هروبه من النظام ومغادرة المهدي للتجمع وانشقاق لام أكول عن المؤتمر الوطني. كل هذه التصدّعات حدثت دون أن تُسفر عن نتيجة منطقية أو تحقق غاية محرزة على المستوى الوطني، ذلك أن الأصول التي شهدت هذه التفرعات لم تكن أنجزت بالفعل ما يستحق التقدير ومن ثم يستوجب البكاء على تشققها. فغبارها يشغل الجميع عن قضاياه الجوهرية. ظاهرة الانقسامات الحزبية تعبّر في أحد أبرز وجوهها عن الأزمة المستحكمة التي يعيشها النظام السياسي السوداني برمّته منذ مرحلة ما بعد الاستقلال. هذه الأزمة لا تفضح فقط العجز الفادح لدى الأحزاب وقياداتها عن التصدّي لمهام مرحلة البناء الوطني وإنما توضح كذلك أن الأزمة بلغت مرحلة التخثّر التي تُفرز مثل هذه الممارسات المشوهة. بالضرورة ينبغي إحداث تجديد وتثوير لكن هذه العملية تكون ذات جدوى عندما تتم داخل الأطر التقليدية القائمة بدلاً عن تجزئتها وتفتيتها أو إحداث ثورة حقيقية تنسف هذه الهياكل. التحدي هنا يتمثل في البشارات والشعارات المرفوعة من حيث المضمون والتحريض على إنجازها بدلاً عن استدرار المشاعر البكائية على الذي مضى أو الذي لن يأتي أو يعود أو حتى لن يجدي في حالة مجيئه أو عودته. فليس من جديد أضافته تلك الانشقاقات، وليس ثمة تراكم إيجابي أفرزته الأصول