لاشك ان الاجتماع الحاشد للمعارضة العراقية والمنشقين العسكريين من القيادات السابقة بهذا الحجم الضخم في العاصمة البريطانية لندن يشكل دلالات خطيرة على بدء العد التنازلي لضرب العراق سياسيا تمهيداً للضربة العسكرية وذلك من خلال أكبر تجمع نوعي تحتضنه دولة التحالف الرئيسية مع الولايات المتحدة الاميركية، ويأتي ذلك بالرغم من الارتباك الذي تثيره استراتيجية الرئيس الاميركي جورج بوش على الأقل على مستوى مواقف بعض الدول العربية تجاه قرار ضرب العراق والاطاحة بالرئيس صدام حسين واحلال تلك القيادات المعارضة للحكم ـ هذا في حالة نجاح الحملة الاميركية ـ ولعل عدم المبالاة الاميركية تجاه بعض المواقف العربية المعلنة المعارضة لضرب بغداد هو أمر يؤكد تباين السياسة الاميركية لمرحلة ما بعد أحداث 11 سبتمبر واتجاها نحو فرض سياساتها بصرف النظر عن ارادة حكومات تلك الدول أو حتى احترام صورتها أمام الرأي العام العربي. وإذا كان المجتمعون بلندن قد أنكروا رعاية الولايات المتحدة الاميركية لهذا الاجتماع فإنهم لم يلبثوا ان تناقضوا في أقوالهم عندما صرح البعض منهم ان القلق يساورهم في القيام بأية عملية ضد صدام دون ضمانات بتأييد الجيش الاميركي وراهنوا في أقوالهم على ان الجيش العراقي سينشق على الرئيس صدام وراحوا يحلمون ويقدمون المبررات التمهيدية للاشتراك في اراقة الدماء في العراق. والسيناريو الافغاني لعله يتكرر بالصورة نفسها في عملية التمهيد الذي سبق لاحلال نظام بديل يخدم المصالح الاميركية، رغم ان صدام حسين قدم للولايات المتحدة خدمات جليلة بغير اتفاق دعمت تواجدها وريادتها للعولمة وجلبت مليارات الدولارات لخزائن وزارة الدفاع (البنتاغون). وسيناريو الخطة العسكرية بدأ كذلك على أرض الواقع سواء من خلال رحلة وزير الخارجية كولن باول أو نائب الرئيس ديك تشيني لعدد من دول المنطقة بالاضافة الى التأكيد على تزويد السفن اليابانية لجميع الخدمات العسكرية والفنية التي تتطلبها السفن الحربية الاميركية بمياه المحيط الهندي. ورغم بدء خطة بوش لغزو العراق والحاق الهزيمة المؤكدة بالارادة السياسية العربية، فإن المردود العكسي للهجمة على العراق قد يقلب الخريطة الدولية والعربية ومنطقة الشرق الأوسط رأساً على عقب، خاصة وان صدام حسين ليس الوحيد بالمنطقة المطلوب تغييره. والبرلمان العراقي يعقد غداً الاثنين اجتماعاً طارئاً لبحث أوجه الدفاع عن الأراضي العراقية وهو ما يؤكد ان الالتفاف حول صدام داخلياً وعلى مستوى الشارع العربي قد يكون أكثر من أي وقت مضى تحدياً لارهاب العولمة الجديدة واسقاطاً عكسياً لعجزها عن خلع زعمائها الموالين لمحور الشر الأميركي!