العولمة كلمة جميلة في معناها فهي ظاهرياً تعني عالماً واحداً، لكنها تعبر عن أمور كثيرة في النظام العالمي. وقبل الدخول في مراميها ومقاصدها بشكل أكثر تفصيلاً أود ان أنبه بأني لست مختصاً بشكل يمكنني ان أحدد ملامحها والتطورات النابعة منها، إنما هي محاولة مني لفهم نظام العولمة من خلال اطلاعاتي وقراءاتي لما يكتب ويطرح ومتابعاتي للأحداث العالمية وشواهدها حول هذا النظام. وحتى أصل إلى موضوعنا لابد من مرور سريع وموجز على تاريخ البشرية منذ ميلاد السيد المسيح قبل حوالي 2000 عام، أي منذ عصور مضت وحتى يومنا هذا. ان التاريخ يسجل صراع الأقوياء للتوسع وبالتالي السيطرة والهيمنة على الدول الضعيفة لأسباب اقتصادية وجغرافية، وأقسم ذلك إلى أهم ثلاث مراحل: ـ المرحلة الأولى: بدأت بصراع نظامي الفرس والروم اللذين كانا يتزعمان حملة التوسعات، كل منهما على حساب الآخر، وكل منهما يريد اقصاء الآخر لفرض سيطرته. ـ المرحلة الثانية: بدأت مع ظهور الاسلام ومع بروز الدولة الاسلامية التي حققت بسرعة قصوى انتصارات وفتوحات كبيرة وسيطرت على اجزاء كبيرة من العالم، وذلك بفضل رسالتها السامية ونشرت الدعوة الاسلامية، ثم انتهت بآخر خلافة اسلامية مع سقوط الدولة العثمانية. ـ اما المرحلة الثالثة: فبدأت مع اسبانيا والبرتغال ثم برزت بريطانيا وفرنسا، وكانت المنافسة بينها لسنين طويلة لزعامة العالم، لكن اقواها كانت بريطانيا، التي اكتشفت واستعمرت قارات مثل اميركا واستراليا، واستعمرت دولاً ذات تاريخ عريق مثل مصر وبعض الدول العربية والاسلامية وشبه القارة الهندية واجزاء من آسيا وافريقيا. التحولات الكبرى وبعد هذه المراحل الثلاث ومع بداية الحرب العالمية الثانية ظهرت قوتان كبيرتان وجديدتان هما الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، وتزامن ذلك مع انتكاسة الاستعمار البريطاني واستقلال الدول الافريقية والآسيوية وتشكيل كتلة جديدة هي كتلة دول عدم الانحياز بقيادة زعماء مثل جواهر لال نهرو من الهند، وجوزيف تيتو من يوغسلافيا، وأحمد سوكارنو من اندونيسيا، وجمال عبدالناصر من مصر، ونكروما من غانا، بالاضافة الى شوانلاي من الصين الشعبية وبعض رؤساء دول افريقيا وآسيا، ولعبت هذه الكتلة الدور الوسيط بين النظامين الرأسمالي والشيوعي، واستطاعت احياناً تحقيق نجاح ولو محدود لقضايا العالم. ولكن ما لبث ان انتصر النظام الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة الاميركية على النظام الشيوعي بقيادة الاتحاد السوفييتي، وانهار الاخير وحلفاؤه في النظام من دول اوروبا الشرقية، فبرزت الولايات المتحدة كقائد بلا منازع للدول الرأسمالية بعد ان كانت شريكاً، وهي حالياً تحاول الهيمنة بمساعدة حليفها الدائم بريطانيا وان تكون قائد العالم الأوحد، تأمر وتطاع لا شريك لها، بل حلفاء ومستشارون، وقد غدت اليوم قطباً قوياً يملك المال والقدرة اضافة الى العلم والمعرفة، وبالتالي سوف تسيطر وتفرض النظام العالمي الجديد او ما يسمى بالعولمة كما تريدها هي!!! اما السؤال الآن، ما هي العولمة؟ ومن هم روادها، ومفكروها؟ وما هو دورها؟ ومن هم اللاعبون الاساسيون في نظامها؟ ومن هم الشركاء...؟ للاجابة على السؤال الأول: بلا شك ان العولمة نظام يعني عالماً واحداً وقطباً واحداً، اي ان جميع الدول والشعوب يمكن ان تعيش في ظل نظام واحد لا اقطاب ولا دول خارجها او فوقها ولا سيد لها، وان يكون هدفها مصلحة البشرية جمعاء، اي التساوي والتآخي بين شعوب العالم. هذا هو مفهومنا نحن الشعوب، ولكن الخوف ان يكون مفهوم العولمة لدى الدول الداعية ومفكريها على عكس ذلك تماماً وقد تكون العولمة تعني لها سيطرة الكبير القوي على الصغير الضعيف، ومن حاول ان يخرج عن سيطرتها، اي سيطرة نظام العولمة اي عن سيدها، فهو منبوذ ولا تعامل معه. أما للاجابة عن السؤال الثاني: ان فكرة العولمة فكرة غربية اميركية المصدر استقرت ورسخت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي والنظام الشيوعي بشكل عام. وهذا ما يتضح يوماً بعد يوم، وأما مفكروها فهم بالدرجة الأولى اميركان. والعولمة أنواع: سياسية، اقتصادية، ثقافية/ فكرية، الى آخره، واللاعبون الأساسيون فيها هم دول اوروبا الغربية واليابان، اما الشركاء فقد تكون روسيا والصين من ابرزهم، بينما بقية دول العالم تدور في فلك تلك الدول التي تمثل اللاعبين الاساسيين. السؤال نطرحه مرة اخرى!؟ هل هذا يعني استعمارا؟ وبأسلوب جديد وحديث ربما؟! الظاهر ان الاقتصاد والتجارة هما الركيزة الاساسية التي سوف تقود العالم الى هذا النظام، والدول التي لديها المال والتجارة تفرض ماتريد، لأنها غنية وتتحكم في اقتصاد العالم وتجارته، ربما هذا يعني ان الدول الغنية سوف تكون الاغنى والدول الفقيرة سوف تزداد فقرا وربما يزداد الفقر والغنى معاً. يقول المفكر الاميركي وصاحب النظرية في النظام العالمي، صامويل هنتنجتون، في كتابه «صراع الحضارات»: ان الدول الغربية بقيادة امريكا لها قدرة التأثير على العالم لانها: ـ تمتلك وتدير النظام المصرفي العالمي. ـ تتحكم في كل العملات الصعبة. ـ الزبون الرئيسي في العالم. ـ تقدم غالبية سلع العالم الرئيسية. ـ تسيطر على اسواق العالم الرئيسية. ـ تمارس قيادة معنوية كبيرة داخل مجتمعات كثيرة. ـ قادرة على التدخل العسكري الواسع. ـ تتحكم في الطرق البحرية. ـ تقوم معظم البحث العالمي والتطوير التقني. ـ تسيطر على وسائل الدخول الى الفضاء. ـ تسيطر على الصناعة الخاصة بالفضاء. ـ تسيطر على وسائل الاتصال العالمية. ـ تسيطر على صناعات الاسلحة ذات التقنية العالية. وأرجو قراءة هذا الكتاب بعناية والصادر باللغة الانجليزية ومترجم الى العربية. ولكن ماذا تعني كل هذه الحقائق وهذه القدرات الهائلة للدول الغربية بقيادة اميركا؟ وهل بعد هذا للدول وخصوصا النامية والدول العربية بالذات اي دور في نظام العولمة ام انها لابد وان تدور في فلكها؟؟ معالم مستقبلية ـ ان ما يهمني ويهمكم هو اين العرب من هذا؟ وهل العرب لهم دور في هذا النظام؟ ـ من وجهة نظري الشخصية وحسب رأيي المتواضع، لا اعتقد ذلك على الاقل في المدى القريب، وربما يكون للأجيال القادمة كلام ورأي آخر اذا تمسكوا بالعلم والمعرفة وسخروا كل امكانياتهم وقدراتهم الذاتية مع موقف ثابت وموحد ولكن هل هذا يعني ان علينا ان نستسلم للامر الواقع؟ لا اظن ولا اعتقد ان احداً يوافق على ذلك. اذا لم يكن باستطاعتنا ان يكون لنا دور الآن فلنأخذ بأضعف الايمان ونسعى لارساء قواعد وخطوات لتمهيد الدور للجيل أو الاجيال القادمة. ـ كيف؟ ـ ان الموقع الوحيد الذي يستطيع العرب لعب دور صغير من خلاله هو النظام الاقتصادي. وعليهم المبادرة بإنشاء السوق العربية المشتركة التي هي حلم كل مواطن عربي، واذا تحققت فهذا بداية لدور صغير، والاقتصاد الموحد والانفتاح على العالم بما يتفق مع مبادئنا، والأخذ بالعلم والمعرفة مع التمسك الكامل بديننا هما مفتاح المستقبل ونحن بالفعل نستطيع العمل في هذا المجال، ومن هذا المنطلق فلنأخذ اليابان مثالاً لنا. ـ وماذا عن دول مجلس التعاون الخليجي؟ ـ قد يكون لدول مجلس التعاون الخليج نشاط وتأثير في نظام العولمة ولو تأثيراً بسيطاً، ان وحدت سياستها واقتصادها وسعت الى خلق سوق مشتركة وعملة موحدة، ولاشك سيكون لها موقع في نظام العولمة من الناحية الاقتصادية على الأقل، حيث لها مخزونات بترولية هائلة، وبها تستطيع التأثير ولو جزئياً. وعلينا في دولة الامارات ان نستغل بشكل ذكي القدرات المتاحة لنا وموقعنا الجغرافي كبوابة بين الشرق والغرب وبسياستنا الانفتاحية والاستفادة من وسائل التكنولوجيا الحديثة نستطيع ايجاد موقع على الخريطة العالمية في مجال الاقتصاد والتبادل التجاري. فعلى سبيل المثال: امارة دبي التي هي جزء لا يتجزأ من دولة الامارات بها بنية اساسية متطورة، ومن اهمها الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات ووسائل المواصلات والفنادق الراقية ومركز عالمي للتجارة، وتعتبر دبي كذلك أول مدينة انشأت فيها المنطقة الحرة، ثم لديها احدث بنية تحتية مكتملة وبيئة نظيفة قل ما تجدها في دولة اخرى، ثم ولأول مرة في الشرق الاوسط يأخذ الانترنت دوره بكل قوة، فخلال 18 شهراً بدأت الحكومة الالكترونية تأخذ موقعها الذي كان يعد مغامرة صعبة، لكن دبي تخطت هذه الصعوبة بكل جرأة واقتدار. فعندما تأخذ دولة الامارات ككل هذا النظام وتضعه تحت تصرف المجتمع اعتقد انها ستكون قد وضعت اللبنة الاساسية للجيل القادم، جيل العولمة والتكنولوجيا، واذا ارادت الدول العربية ان تكون شريكاً مستقبلياً في نظام العولمة، فلتبدأ فوراً وتأخذ المبادرة بشكل جماعي في مجالات تستطيع الابداع فيها وتثق في امكانيات شعوبها وقدراتهم وذكائهم، وتبدأ في وضع اسس للجيل القادم وقد يدور كما يقال الـ cycle العالمي وربما يرجع العرب والمسلمون الى سابق عهدهم مرة اخرى بقوة، «كان العرب والمسلمون سادة العالم» ثم جاء دور بريطانيا وفرنسا ثم روسيا واميركا وحالياً اميركا، ولا ندري ماذا بعد؟!! ولنتفاءل بالمستقبل آخذين بالعلم والتكنولوجيا خصوصا مع ازدياد نسبة المسلمين في العالم. فالاحصائيات العالمية تقول ان نسبة المسلمين في ازدياد وهذا يؤكد دورهم وقدرتهم في المستقبل، ولاشك ان ذلك سوف يشكل قوة للعرب. ـ مدير عام بلدية دبي