عمل جليل ونبيل هذا الذي انجزته المنظمات الشعبية والنقابات المهنية في الاردن الشقيق، وهو اعداد جدارية فلسطين التي تضمنت القاموس الواقعي لمدن، وقرى، وأرياف فلسطين، وما اعتراها، من هدم، وردم، ومسح، واكتساح، خلال نصف قرن من الغزوة الاستيطانية الصهيونية العنصرية. فقد شهد عشرات الآلاف من المواطنين في سوريا الاسبوع الماضي العرض الأول لهذه الجدارية التي حاكتها انامل، بل ضمائر، وقلوب الماجدات من اخواتنا في فلسطين والاردن، على شكل سجادة هائلة الابعاد طولا وعرضا، عميقة الدلالات مغزى ومعنى. فالمشاهد للجدارية يقرأ في ثوان معدودات تاريخ الصراع العربي الصهيوني، ويستطيع واقع الحال المريرة التي آلت اليها مدن وبلدات فلسطين التي كانت مضرب المثل في التاريخ السحيق في الخصوبة والغنى والجمال والازدهار، الذي اغرى معظم انبياء هذا العالم ليدلفوا الى حماها، وينعموا بخيراتها، ويستلهموا الرسالات من ملائكة سماواتها المضخمة بالتقوى والصلاح، والحب والعطاء الروحي غير المحدود. وتنبئك الجدارية من خلال مربعاتها الحمراء عن هول المأساة، وجحيم الكارثة الذي عاشته قرى فلسطين، عندما اجتاحتها قطعان الذئاب وقوافل الافاعي والغربان، وجعلتها اثرا بعد عين.. كما تحدثك ـ الجدارية ـ عن السكين العنصرية كيف مزقت شرايين واوردة الارض الفلسطينية، بعدما خردقت القلب الفلسطيني، واستبدلته بقلب صهيوني عنصري مقدود من صوان الحقد، وصخور الكراهية والعدوان والغاء الآخر.. إن «جدارية فلسطين» هذه التي اعلن عن بدء مسريتها في عاصمة الامويين، تعتبر تاريخا حيا يطير بجوانح الحقيقة والاصرار بين العواصم العربية منطلقا من عمان التي كان لابنائها مع اخوتهم في فلسطين شرف السبق والمبادرة لهذه الفكرة الرائعة، والعميقة الدلالات، ليؤكد جملة من الحقائق والمنطلقات: ـ ان العدو الصهيوني صنعته الامبرالية الغربية لتصيفة حسابات من الاحقاد والثارات التاريخية يعد العرب الطرف المظلوم الأول فيها. ـ ان الغزوة الصهيونية تمثل ذروة الاستعمار الاستيطاني الاحتلالي العنصري، كما تمثل ابشع انواع الارهاب، واشنع اشكال التمييز والعدوان على الشعوب وكراماتها وحقوقها. ـ ان الهدف الابرز من زرع الكيان الصهيوني في القلب العربي ـ فلسطين ـ هو القضاء على الحلم العربي في استعادة وحدة القوة العربية، وقوة الوحدة القومية وتدمير الجسر الجغرافي والديموغرافي والروحي الذي يربط بين مصر والشام باعتبارهما الركن الاساسي في البناء القومي على مر التاريخ. ـ ان جميع الحلول المطروحة، والعلاجات الموصوفة للداء العضال في فلسطين ليست إلا مسكنات بعيدة عن الجراحة الشافية والدواء الناجع، لانها تستهدف اطالة فترة المرض، والتسلية بالوقت على حساب آلاف الضحايا، ومزاريب الدماء، ومآسي التشرد في فلسطين. ـ لندع الحكومات تستخدم ضروراتها الدبلوماسية والسياسية، ولتلجأ الجماهير الى خياراتها الشعبية وطنياً وقوميا، وذلك من خلال احكام مقاطعة العدو الصهيوني العنصري، ومن يساندونه خلف البحار ووسط الديار، ولنجعل من التطبيع مع هذا العدو جريمة غير قابلة للتوبة، ولنؤكد عبر اعلامنا الوطني الحقيقة الساطعة القائلة ان هذا العدو لن يستثني من ارهابة احدا في هذه الامة، سواء من سالموه باذلال او قاوموه ببسالة وشرف.. ـ لقد جرب العرب الكثير من الاسلحة خلال نيف وخمسين عاما في مقاومة العدو الصهيوني، غير انهم لم يجربوا سلاحهم الاكبر، والاخطر، والاقوى، وهو وحدة الموقف والرأي، سلاح التضامن الفعال في معركة المصير الواحد، حيث مكمن القوة العربية، وعنصر الحسم الذي يعيد الارض والحقوق والكرامة، ويؤكد اننا امة لها جذورها الضاربة في معارج الأزلة، ولابد ان تستعيد هيبتها ورسالتها لتحملها نورا وهداية إلى الأبد.. ان جدارية فلسطين، هي رسالة، وتذكار، وناقوس ينبه الغافلين، والغافين، في امة ليس كبيرا عليها ولا غريبا منها ان ترفض الاستقالة من وظيفة الجهاد، والاستشهاد، والبذل في سبيل الوحدة والكرامة والمستقبل القومي المنشود.