للصيف طقوس استثنائية في الخليج حيث تنقطع صلة الناس بالشارع تنزيها ورواحا ومجيئا وتصبح الحياة وجها واحدا ظاهره الملل وباطنه السأم، لذلك تجد قطيعا من الاولاد، يتجمهرون امام التلفزيون لتفلية القنوات الفضائية ومشاهدة المعلقات المكسيكية التي تعرض غرامياتها الساعة الثالثة ظهرا والافلام العربية من زمن الابيض والاسود والحوارات المعاد بثها والبرامج الاخبارية التي انتهت صلاحيتها، وبين هذا وذاك لابد من شوية فرفشة يعني اغنية فيديو كليب مطربها من المريخ وراقصاتها من كوكب زحل أما مناظرها الخارجية فهي من بلاد يأجوج ومأجوج التي ذكرها ياقوت الحموي في معجم البلدان. وترى الاطفال وقد اعطبهم الجلوس الطويل امام التلفزيون بسحناتهم المصفرة وكسلهم الحركي فلا ينهضون عن مقاعدهم الا وقد انهمدوا على واحد آخر من ثقل بلادتهم، او تراهم يقرمشون الشيبس وهم يشاهدون ماريا مرسيدس او كساندرا بطلتي مسلسلين مكسيكيين مشهورين، والاطفال عموما يحبون المسلسلات المكسيكية لانها خيالية اكثر من والت ديزني، وبهذا الصدد اعرف سيدة محدثة النعمة تعشق ابنتها المسلسلات المكسيكية شدتا الرحال الى القارة اللاتينية لزيارة المكسيك لتعايش الفتاة الدلوعة شخصيات الحلم على ارض الواقع، لكن ارض الواقع كانت صدمة لم تتخيلها الام وابنتها فقد كانت المكسيك دولة فقيرة مثل باقي دول العالم الثالث والناس فيها ليسوا وسيمين كما في المسلسل بل مجرد اشخاص بسطاء يدبون الى أرزاقهم دبيب النمل في كيس سكر مثقوب ولا قصور فارهة ولا سيارات طويلة ولا يوجد اغناسيو واحد او اليخاندرو في تلك الجموع التي تتجمهر في كل مكان، فلم تجد المصدومتان بدا من المبيت ليلة واحدة في ارض المسلسلات ومن ثم العودة الى بلدهما سالمتين لانهما لم تتعرضا لسرقة او لاعتداء شخصي او لعملية خطف مسلح. والجلوس امام التلفزيون لا يعني تعطيل حركة الجسد بل يعني ايضا تبليد الذهن فلا الانزيمات المنشطة تعمل بشكل جيد ولا فيوزات الدماغ تتوهج وتزيد الطين بلة تلك الاصوات الهدارة للمكيفات التي تعشش في الرأس فتراه ثقيلا دائخا. والصيف طقس خاص للذين يجدون الى السفر سبيلا فيعدون العدة لتمضية الاجازة في بلد حرارته اقل وليله ابرد ورغم قصر الاجازة الا ان فيها حركة مغايرة للسكون والركود، ولكنهم يتعرضون لمشكلات صحية خفيفة مثل الزكام والرشح والتهاب اللوزتين وجفاف الشفاه وقشب الخدود بسبب اختلاف الجو والانتقال المفاجيء لطقس مختلف، فتمضي الام ردحا من اجازتها ساهرة تخفف حرارة طفل ارتفعت ليلا بينما يشوط الاب يسارا ويمينا بحثا عن طبيب او عن صيدلية مناوبة لتأمين مضاد حيوي وخافض حرارة في حين يجلس بقية الاولاد يراقبون كمادات الماء البارد على جبين شقيقهم وينتظرون الفرج للاستمتاع بالاجازة، ولكن عندما تطول مدة الشفاء لا يجدون مناصا من تشغيل التلفزيون ومراقبة غراميات كساندرا واغناسيو وغيرهما من ابطال الاحلام. الصيف.. صيف حتى لو كان في بلاد الواق واق «هذه لم يذكرها ياقوت الحموي في معجم البلدان لكن زارها السندباد البحري في مغامراته بكتاب الف ليلة وليلة». ولان الصيف يحتاج الى خطة تصييفية فان عددا كبيرا لا يصيفون في اجازاتهم لانها بلا خطة وهذه الاخيرة تحتاج الى معادلة السوق والصندوق، ولان حساب السوق لا ينطبق على الصندوق يفضل البعض النوم حتى الظهيرة ثم الانطلاق الى شاطيء مفتوح حتى منتصف الليل والعودة للمنزل وهم يستمعون الى اغنية «دبي شتاها حلو.. بس صيفها احلى». وهكذا حتى فتوح المدارس.. يا عيني على المدارس كما قال شوقي «ألا حبذا صحبة المكتب».