خرج ابو سفيان في جماعة من قريش، يريدون تجارة بالعراق، فلما ساروا ثلاثا جمعهم ابوسفيان، فقال لهم: انا من مسيرنا هذا لعلى خطر لقد قدمنا على ملك جبار، لم يأذن لنا في القدوم عليه، وليست بلاده لنا بمتجر، ولكن ايكم يذهب بالعير، فان اصيب فنحن برآء من دمه، وان غنم فله نصف الربح فقال غيلان بن سلمة: دعوني اذن فأنا لها. فلما قدم بلاد كسرى تخلق ولبس ثوبين اصفرين، وشهر امره، وجلس بباب كسرى حتى اذن له، فدخل عليه وخرج اليه الترجمان وقال له: يقول لك الملك: ما ادخلك بلادي بغير اذني؟ فقال: قل له: لست من اهل عداوة لك، ولا اتيتك جاسوسا لضد من اضدادك وانما جئت بتجارة تستمتع بها، فان اردتها فهي لك وان لم تردها واذنت في بيعها لرعيتك بعتها وان لم تأذن في ذلك رددتها، وجعل يتكلم فاذا سمع صوت كسرى سجد. فقال له الترجمان: يقول لك الملك لم سجدت؟ فقال: سمعت صوتا عاليا حيث لا ينبغي لاحد ان يعلو صوته اجلالا للملك فعلمت انه لم يقدم على رفع الصوت هناك غير الملك، فسجدت اعظاما له. فاستحسن كسرى ما فعل، وامر له بمرفقة توضع تحته فلما اتي بها رأى عليها صورة الملك، فوضعها على رأسه فاستجهله كسرى واستحمقه وقال للترجمان: قل له: انما بعثنا بهذه لتجلس عليها قال قد علمت ولكني لما أتيت بها رأيت عليها صورة الملك فلم يكن من حق مثلي ان يجلس عليها ولكن كان حقها التعظيم فوضعتها على رأسي لانه اشرف اعضائي واكرمها علي! فاستحسن، ثم قال له: ألك ولد؟ قال: نعم، قال: فأيهم احب اليك! قال: الصغير حتى يكبر، والمريض حتى يبرأ، والغائب حتى يؤوب، فقال كسرى: زه! ما أدخلك علي ودلك على هذا القول والفعل الا حظك فهذا فعل الحكماء وكلامهم وانت من قوم جفاة لا حكمة فيهم فما غذاؤك! قال: خبز البر. قال: هذا العقل من البر لا من اللبن والتمر. ثم اشترى منه التجارة بأضعاف ثمنها، وكساه، وبعث معه من الفرس من بنى له اطما بالطائف فكان اول اطم بني بها.