يبدو أن مقولة هنري كيسنجر وزير الخارجية الأميركي الأسبق بأنه «لا يوجد في العالم أصدقاء وأعداء، ولكن أعداء بدرجات مختلفة»، تجد أفضل تطبيق لها في العلاقات الاسرائيلية - الأميركية، حيث لا تعتقد اسرائيل بوجود أصدقاء دائمين، ومن ثم فان تأمين مصالحها في الولايات المتحدة ينبغي أن تكتسب الاولية المطلقة في سلم الاهتمامات الاسرائيلية، وما يستدعيه ذلك من القيام بعمليات تجسس داخل أكثر دوائر الأمن القومي الأميركي حساسية، بغض النظر عما يسببه ذلك من تهديد للأمن الأميركي واساءة للعلاقات الاسرائيلية ـ الأميركية، حيث يتكفل نفوذ اللوبي الصهيوني في الكونغرس والادارة الأميركية ووسائل الاعلام في الولايات المتحدة بازالة مثل هذه الآثار السلبية. ومن ثم يستمر مسلسل تجسس اسرائيل على الولايات المتحدة لا يردعها عن ذلك رادع ولا يمنعها مانع. لذلك لم يكن غريبا أن تتوصل أجهزة المخابرات الأميركية أخيرا الى قناعة بأن أفضل حليف لها في الشرق الأوسط، والدولة التي تتلقى أكبر قدر من الدعم والمساندة والرعاية الأميركية - وهي اسرائيل - قامت بنشر شبكة تجسس لها في أنحاء الأراضي الأميركية. فقد كشفت تحريات «مكتب التحقيقات الفيدرالي FBI و«وكالة مكافحة المخدرات DEA في تقرير لهما نشرته مجلة «التيمبو» الاسبانية في 13/5/2002 وقناة التليفزيون الاخبارية FOX، أن التجسس الاسرائيلي أصبح واسع النطاق في الولايات المتحدة، والجواسيس هم شباب تابعون لجهازي المخابرات (موساد) و(آمان). .. بكل الوسائل وكانت عملية تسلسل الجواسيس الاسرائيليين قد بدأت خلال الشهور الأولى من عام 2001، وزاد هذا التسلل باطراد مع بداية عام 2002 بشكل ملحوظ. وكانت وكالة مكافحة المخدرات قد كشفت في يناير 2001 أن عددا كبيرا من الشبان الاسرائيليين تربطهم علاقات صداقة بالعاملين بالوكالة قد بدأوا منذ عام 1999 في التسلل في شكل مجموعات من الشباب الدارسين للفنون التشكيلية الى ولايات فلوريدا وتكساس وكاليفورنيا وأوكلاهوما وويسكونسن، وكان ذلك بتأشيرات سياحية أو بغرض الدراسة. وجميعهم تتراوح أعمارهم ما بين 22 عاما و31 عاما قادمين من جامعات ومعاهد اسرائيلية مثل جامعة القدس وأكاديمية الفنون الجميلة (بيزاييل) وكشفت تحقيقات DEA ان هؤلاء الشباب الاسرائيليين يعملون في مجموعات مكونة من ثمانية أو عشرة أشخاص تحت قيادة «رئيس المجموعة». أما الأهداف المختارة للتجسس فهم موظفون في هيئات أميركية فيدرالية ومحلية يمكن من خلالهم الوصول الى مراكز خاصة بالدفاع الأميركي مثل القاعدة الجوية (تينكر) الموجودة بالقرب من مدينة (أوكلاهوما سيتي). وطبقا لتقرير وكالة DEA فان جميع هؤلاء الدارسين نجحوا في اقامة علاقات مع العاملين الفيدراليين، بل أنهم تمكنوا من ارتياد منازلهم واقتربوا من عائلاتهم ومن دوائر اصدقائهم، وقد كشف تقرير هذه الوكالة عن هوية أحد أعضاء شبكة التجسس الاسرائيلية، وكان يحمل بطاقة تحقيق شخصية بهوية كندية، وأن هؤلاء الشباب متخصصون في استخدام أجهزة الكمبيوتر والتعامل مع أحدث صيحة من جيل المتفجرات، وأن أحد هؤلاء الجواسيس ابن ضابط اسرائيلي كبير برتبة جنرال هو (آران أوفيك) ويضم أيضا هذا (الجيش) من الجواسيس فتيات وسيدات مكلفات بمهام من قبل جهاز المخابرات العسكرية الاسرائيلية (أمان). وقد أمكن من خلال المتابعة التي قامت بها وكالتي FBI وDEA التعرف على رؤساء هذه المجموعات من الدارسين الذين كانت تربطهم علاقات صداقة مع شخصيات مسئولة في الولايات المتحدة، وبعضهم ينتمي الى جهاز المخابرات (موساد) والبعض الآخر لجهاز المخابرات العسكرية (أمان). وخلال التحقيقات التي أجريت مع 120 معتقل اسرائيلي ومن هذه المجموعات، لم يستطع أي منهم أن يبرز أي وثيقة تثبت انتسابه الى أكاديمية (بيزاييل) وعندما أخضعوا لجهاز كشف الكذب لم ينجح اسرائيلي واحد في اثبات صدق اعترافه، بل ان التحقيقات التي أجريت معهم أثبتت أنهم جميعا تابعين لأجهزة مخابرات اسرائيلية، وأن أنشطتهم الاستخبارية شملت 42 مدينة في الولايات المتحدة طوال عام 2001. صمت مريب ولقد أثار توقيت اعتقال شبكة التجسس الاسرائيلية مباشرة بعد أحداث 11 سبتمبر تساؤلات عديدة حول علاقة هذه الشبكة بهذه الأحداث، حيث ثبت لأجهزة التحقيق الأميركية أن أفراد هذه الشبكة ـ وبالتالي أجهزة المخابرات الاسرائيلية ـ كان لديهم معلومات مؤكدة بأن هجوما ضخما سيقع ضد أهداف أميركية استراتيجية حيوية فيما بين التاسع والحادي عشر من سبتمبر، بل وأن برجي التجارة في نيويورك سيكونان الهدف الرئيسي لهذا الهجوم. وأن هذه المعلومات كانت متاحة لدى الجواسيس الاسرائيليين قبل الهجوم ب18 ساعة، الا أنهم بتعليمات من قياداتهم الاستخبارية في اسرائيل التزموا الصمت ازاء السلطات الأميركية، وكل ما فعلوه هو تحذير الجالية اليهودية فقط بما سيحدث، وهو ما يفسر غياب 1478 يهوديا من العاملين في مركز التجارة في يوم الهجوم. وتحذير آخر أطلقته صحفية بقناة التليفزيون FOX وتدعى كارل كاميرون بعد ثلاثة أيام من هجوم الحادي عشر من سبتمبر. فقد ذكرت كاميرون: «ان بعض الاسرائيليين كانوا يعلمون بتوقيت هجوم الحادي عشر من سبتمبر. دون أن يحذروا السلطات الأميركية بذلك» وأن «مجموعة من الاسرائيليين المتخصصين في عمليات التجسس الاسرائيلية بالعالم الغربي قد تم اكتشافهم في ولاية نورث كارولينا، كما كشفت هذه الصحفية أيضا أن مؤسسة Amdocs أمدوكس الاسرائيلية التي لديها تعاقدات مع خمسة وعشرين مؤسسة تليفونات من أهم المؤسسات في الولايات المتحدة وذات العلاقة بالبينة الأساسية، قادرة على توسيع نطاق التجسس على المكالمات التليفونية الخارجية، وقد أزعج هذا الكشف «وكالة الأمن القومي» المكلفة بالسيطرة على الاتصالات السلكية، كما أثار حنق مكتب التحقيقات الفيدرالية FBI. وقد كشفت وكالة مكافحة المخدرات DEA بعدا آخر لشبكة التجسس الاسرائيلية لا يقل خطرا عن التجسس المعلوماتي، ألا وهو علاقة هذه الشبكة الاسرائيلية (بمافيا) المخدرات التي تسعى الى تهريب المخدرات الى الولايات المتحدة، وأن لهذه (المافيا) علاقة قوية بالمخابرات الاسرائيلية حيث ثبت وجود علاقات تعاون بين الملحقين العسكريين الاسرائيليين في دول أميركا اللاتينية ومنظمات انتاج وتهريب المخدرات في هذه الدول، بل أن وكالة المخابرات المركزية الأميركية كانت على علم بعمليات التعاون هذه والتي كانت قائمة منذ فترة السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، وكانت تعتمد عليها في قمع الحركات اليسارية ومنعها من الوصول الى السلطة. وكانت وكالة مخابرات المخدرات قد نجحت في الكشف عن شبكة لتهريب مواد كيميائية مخدرة تعرف باسم (أستاس) على راسها اسرائيلي يدعي «أوريدتوينو». وكانت محكمة فيدرالية في لوس أنجليوس قد أدانته في 15 أغسطس 2001 مع أحد عشر شخصا بتهمة تهريب 100 ألف قرص من هذا المخدر الى هذه المدينة وحدها. ويرأس (تويتو) شبكة اسرائيلية لتهريب هذا النوع من المخدرات الى الولايات المتحدة وبلدان أوروبية تقدر كميتها بنحو 500 مليون قرص سنويا. فاذا اضفنا الى ذلك أن المخابرات الاسرائيلية تقوم بتسليح منظمات المخدرات في بلدان أميركا اللاتينية وتدريبها على حرب العصابات وعمليات الاغتيال - وهو ما ثبت في الحكم الغيابي الذي أصدرته محكمة في بوجوتا على كولونيل في الجيش الاسرائيلي يدعى (يائير كلاين) كان يقوم بتدريب ميليشيات كولومبية للقيام بعمليات ارهابية عام 1998 - لتبين لنا حجم النشاط الذي تمارسه أجهزة المخابرات الاسرائيلية ضد الولايات المتحدة، ليس فقط في مجال التجسس ولكن أيضا في هدم وتخريب المجتمع الأميركي من داخله من خلال تهريب المخدرات وغسل الأموال والقيام بالعمليات الارهابية. فضائح بالجملة ليست هذه العملية التي تم الكشف عنها مؤخرا الأولى ولا الأخيرة في عمليات التجسس الاسرائيلي ضد الولايات المتحدة، فقد سبقتها عمليات تجسس عديدة كان أشهرها قضية الجاسوس الاسرائيلي (جوناثان بولارد) الذي كان يعمل في البحرية الأميركية ونقل أكثر من خمسمائة ألف وثيقة أميركية الى اسرائيل، وقضية رئيس المخابرات المركزية الأميركية نفسه (جون دويتش) عام 1995، الذي قام هو أيضا بنقل معلومات ووثائق سرية الى منزله دون معرفة وموافقة الجهات المعنية، حيث أثبتت سلطات التحقيق أنه كان يسلمها الى السفير الاسرائيلي في واشنطن (بن اليعازر)، وقد ترك دويتش منصبه في عام 1996 بعد أن قدم اعتذارا رسميا، ثم كانت قضية (مارتن أنديك) السفير الأميركي في اسرائيل الذي فوجئت الأوساط السياسية والدبلوماسية في واشنطن عام 1999 بايقافه عن عمله ووضعه رهن التحقيق بتهمة ارتكاب جريمة تتعلق بالأمن القومي الأميركي، واستدعائه الى واشنطن للتحقيق معه بعد تجريده من امتيازاته السياسية والأمنية. حيث ثبت أنه حول معلومات سرية من أجهزة الكمبيوتر الخاصة بوزارة الخارجية الأميركية والسفارة الى جهاز الكمبيوتر الخاص به، ومنه الى أجهزة كمبيوتر الموساد، الأمر الذي أدى الى اطلاع المسئولين الاسرائيليين على خطة الادارة الأميركية للتفاوض مع الدول العربية واسرائيل، وبالتالي تحسين موقف المفاوض الاسرائيلي، نفس الأمر تكرر مع المرشح كسفير للولايات المتحدة في البحرين (رونالد نيومان) الذي كان أيضا على اتصال بالموساد. وقد واكبت فضيحة (مارتن انديك) فضيحة تجسس اسرائيلية أخرى كشفت عنها مجلة (انسايت) الأميركية المتخصصة في شئون المخابرات، عندما ذكرت أن مكتب التحقيقات الفيدرالية FBI يقوم بالتحقيق في قضية تجسس كبرى تقوم بها اسرائيل داخل الولايات المتحدة من خلال التنصت على الاتصالات الهاتفية والالكترونية لكبار المسئولين الأميركيين، خاصة في البيت الأبيض ومجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية، ونقلت المجلة عن مصادر أمنية أميركية أن وزارة العدل تعرقل جهود مكتب FBI لتقديم لائحة اتهام رسمية ضد المتهمين في هذه القضية بزعم أن ذلك من الممكن أن يؤثر سلبا على العلاقات مع اسرائيل!! في حين أكد تقرير عن نفس القضية صدر عن وكالة (درادج ريبورت) المختصة في الشئون المعلوماتية، أن عمليات التنصت التي كانت تجري منذ أربع سنوات كانت تتم بواسطة شركة اتصالات موجودة في واشنطن تملكها (الموساد) تقوم باختراق شبكات الاتصالات السياسية والأمنية السرية في الولايات المتحدة. كما كشف تقرير آخر أن مكتب FBI قد تعقب جاسوسا اسرائيليا كان يعمل لحساب شركة الاتصالات المحلية المشار اليها وزوجته معروفة كعميلة للموساد في واشنطن، ولأنها كانت تعمل في السفارة الاسرائيلية وتتمتع بالحصانة الدبلوماسية فلم تتمكن FBI من التحقيق معها، وقد عثر في حوزة العاملين في هذه الشركة على أرقام هواتف حساسة لبعض المسئولين الأميركيين الكبار الذين يستخدمون الشفرات الاتصالية في دوائر الأمن القومي التي يطلق عليها اسم «خطوط المكتب الأسود». ومنها اتصالات دولية يؤدي الكشف عنها الى التعرف على طبيعة نظام أجهزة مكافحة التنصت، وأن لهذه الشركة شخصا كبيرا في أحد الأجهزة الأميركية الحساسة يسهل لها عمليات التنصت، ولكن لأن الأمور المتعلقة بعمليات التجسس الاسرائيلية داخل الولايات المتحدة تندرج تحت اقصى درجات السرية، وقد تكلف الذين يحشرون أنوفهم فيها مستقبلهم الوظيفي، فقد تم (لملمة) هذه القضية أيضا وأسدال الستار عليها. وكان قد سبق لمكتب التحقيقات الفيدرالية أن قدم العديد من التقارير للمسئولين الأمنيين أشارت الى خطورة وجود جواسيس اسرائيليين يقومون بالتجسس على الجهات العاملة في (وادي السليكون) بولاية كاليفورنيا لجمع أحدث أسرار العلم والتكنولوجيا التي توصلت اليها الشركات الأميركية. وجاء في تقرير رفعته وكالة المخابرات المركزية الأميركية (CIA) الى لجنة المخابرات بالكونغرس أن اسرائيل تعتبر واحدة من ست دول أجنبية تقوم أجهزة مخابراتها العلمية بجهود حثيثة لجمع أسرار عسكرية وتكنولوجية واقتصادية وسياسية تخص صميم الأمن القومي الأميركي. طعنة في الصميم أما مغزى عمليات التجسس الاسرائيلية هذه على أكبر دولة في العالم، تقدم لاسرائيل كل صور الدعم والمساندة العسكرية والمخابراتية والاقتصادية والسياسية، بل وترتبط معها باتفاقات تعاون استراتيجي تتيح لاسرائيل الحصول على كل احتياجاتها من المعلومات بما في ذلك صور أقمار التجسس الأميركية، فان مغزى ذلك يتمثل في حرص اسرائيل على الوقوف مبكرا على النوايا والأهداف الأميركية تجاه جميع القضايا التي تهم اسرائيل قبل أن تتحول هذه (النوايا) الى (سياسات) و(قرارات)، وبما يمكنها من التدخل مبكرا في السياسات والقرارات الأميركية أثناء صنعهما، وبمايتفق فقط والمصالح الاسرائيلية، بغض النظر عن المصالح الأميركية. كما أن عمليات التجسس الاسرائيلية هذه تتيح للموساد الوقوف على أسرار العلاقات الأميركية مع الدول الأخرى ـ خاصة العربية والاسلامية وروسيا ـ وبما يوسع دائرة التأثير الاسرائيلي في هذه الدول، ويتيح لاسرائيل أيضا التدخل في تشكيل علاقات الولايات المتحدة بهذه الدول بما يتفق أيضا والمصالح الاسرائيلية - ناهيك بالطبع عما تشكله عمليات التجسس الاسرائيلية على كبار المسئولين الأميركيين ـ لاسيما من خلال التنصت على محادثاتهم الهاتفية والالكترونية ـ من اطلاع على أدق الأسرار الشخصية لهؤلاء المسئولين وبما يشكل ضغوطا هائلة عليهم عند اللزوم لتنفيذ كل ما تريد أن تمليه اسرائيل عليهم من سياسات واجراءات وقرارات تتفق ومصالحها، لاسيما مع بروز اتجاهات داخل الادارة الأميركية أصبحت تشكك في جدوى الشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة واسرائيل، بعد أن أثبتت حرب الخليج عام 1991 والحملة الأميركية الدائرة ضد الارهاب حاليا ان اسرائيل كانت في الحالتين عبئاً على الادارة الأميركية وليست عونا لها، حين سعت الولايات المتحدة الى استبعادها من التحالف الذي شكلته في كل من الحالتين حتى لا تفسده مشاركة اسرائيل فيه، الا أن قوة تأثير اللوبي الصهيوني - سواء في الكونغرس أو في وسائل الاعلام الأميركية أو الشركات والمؤسسات التي تمول حملات انتخابات الرئاسة الأميركية - وحرص الرئيس بوش وأركان ادارته على استرضاء هذا اللوبي من أجل الحصول على فترة رئاسة ثانية، هو الذي يفسر الصمت الذي أطبق على ادارة الرئيس بوش حيال فضيحة التجسس الاسرائيلية الأخيرة، وثبوت تسللها الى قلب الأمن الأميركي، وهو ما يثير دهشة وقلق دوائر أميركية كثيرة اليوم. ـ خبير استراتيجي مصري