منذ أن فاز في مايو الماضي بأغلبية ساحقة في انتخابات الرئاسة في بلاده، وفي انتظار تولي منصبه رسميا في أغسطس المقبل، يعيش السياسي الكولومبي «الفارو أوريبي فيليس» مختفيا عن الأنظار، أو محاطا بجيش من الحرس الخاص، وتكاد تكون تنقلاته سرا من الأسرار العليا التي لا يعرفها سواه شخصيا حتى لا يتعرض لمزيد من محاولات الاغتيال التي تعرض لها من قبل خلال الحملة الانتخابية، أو حتى قبلها عندما كان عمدة لمدينة «ميديين» التي تعتبر معقل الكوكايين والهيروين في بلاده. المشكلة لها بالطبع علاقة بأنه تجرأ على ترشيح نفسه لرئاسة البلاد الأقل أمنا والأكثر خطرا على الكرة الأرضية، والتي تعيش أطول حرب أهلية حدثت خلال القرن العشرين، ولكن هذه المشكلة ازدادت تعقيدا بسبب برنامجه السياسي الذي تقدم من خلاله إلى مواطنيه الذين اختاروه ليكون رئيسهم للسنوات الأربع المقبلة، يحتوي هذا البرنامج على نقاط وأهداف تكاد تجعله على طرف نقيض مع جميع القوى المؤثرة في الحركة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في كولومبيا. مصلحة مشتركة وبما أن الهدف الأول للرئيس المنتخب هو إعادة الهدوء إلى وطن لا يعرف معنى الأمن والهدوء من منتصف القرن العشرين، فإن هذا يعني أنه سيعمل على القضاء على الجماعات المسلحة التي تمارس حرب العصابات، وتفرض سيطرتها على أجزاء كبيرة من البلاد لا يجرؤ الجيش الوطني على دخولها، وهي جماعات تنقسم إلى جماعات يسارية وأخرى يمينية، بعضها له برنامج سياسي واقتصادي ويهدف إلى تحقيق أهداف اجتماعية كالجماعات اليسارية الموزعة بين أيديولوجيات تصل إلى حد التناحر فيما بينها، فيما للجماعات اليمينية أهداف أخرى تصب في النهاية في خدمة الإقطاع الذي لا يزال مسيطرا في البلاد على أجزاء ضخمة من الأراضي الجبلية الوعرة التي يتم زراعتها بأشجار «الكوكا» منبع المادة الأساسية للمخدرات بأنواعها، أو تعمل لحساب أثرياء المدن كما لو كانت جيوشا من المليشيات، وتلك الأخيرة بالإضافة إلى علاقتها الوثيقة بالجيش والسلطة الحكومية الرسمية لها علاقة وثيقة بقوى أجنبية معروفة بأهدافها في المنطقة ككل، وتمول تسليحها، ولكنها جميعا -يسارية ويمينية- لها علاقة مباشرة بالاتجار في المخدرات، بل ومعظم التمويل المالي لتلك الجماعات بكافة أنواعها وتوجهاتها يأتي من هذه التجارة منذ بدء زرع هذه النبتة وحتى تحويلها إلى مواد معدة للتصدير إلى الخارج. أيضا هناك الطبقة السياسية التقليدية التي تتقاسم الحكم في كولومبيا منذ قرن مضى ولها مصالحها الخاصة التي تكاد تلتقي مع أهداف الجماعات المسلحة المتناحرة، وتتكسب من هذا التناحر بالبقاء لأطول فترة ممكنة في مقاعد البرلمان والمناصب الرسمية التي تتيح لهم الاستفادة من إراقة دماء مواطنيهم، تلك الطبقة تجد أيضا في برنامج الرئيس الكولومبي المنتخب ما يهدد مصالحها، بل ووجودها الذي اعتادت عليه خلال سنوات طويلة، لأن هذا البرنامج السياسي الطموح يهدف أيضا إلى تجديد الحياة السياسية الكولومبية بخلق طبقة سياسية جديدة لها قيم مختلفة. من هنا فإن الرئيس المنتخب «الفارو أوريبي فيليس» مرشح للاغتيال من أي طرف من تلك الأطراف جميعا، والتخلص منه فيه مصلحة لأي طرف حتى لو تم اغتياله على يد طرف آخر، لأنه لا يوجد طرف له مصلحة في بقاء الحال على ما هو عليه إلا وأعلن عن رغبته في التخلص من هذا السياسي الذي هبط عليهم بأغلبية ساحقة تمنحه قوة خاصة لم يتمتع بها مرشح آخر من قبل خلال السنوات العشرين الأخيرة. على أي حال فان التخلص من هذا الرئيس المنتخب بالاغتيال أو غيره أو حتى بقاءه في منصبه للفترة التي ينص عليها الدستور فان كولومبيا من الصعب ان تعرف الهدوء والطمأنينة بعد كل هذه السنوات من العنف والدماء والخطف التي باتت تطبع الحياة فيها، وهذا رأي يجمع عليه كافة المراقبين السياسيين والمهتمين بشئون هذه المنطقة، والمتابعين لتطوراتها خلال النصف الأخير من القرن العشرين. منشأ العنف بدأت مشكلة كولومبيا مع العنف على اثر الحرب التي أعلنتها الولايات المتحدة على مزارع المخدرات وتجارتها في المكسيك خلال فترة الستينيات من القرن العشرين، حيث قامت خلال تلك الفترة بإحراق مزارع المخدرات المكسيكية التي كانت مصدر الماريجوانا التي تتدفق على أسواق الاستهلاك الأمريكية مما زاد من حدة الإدمان. نتيجة هذه الحرب كانت انتقال زراعة المخدرات إلى أحراش الساحل الشمالي الكولومبي التي جاءتها هذه الزراعة هدية من السماء خلال أزمة أسعار البن التي كانت المحصول الرئيسي للبلاد، مما دفع بملاك الأراضي والمزارعين إلى الانتقال من زراعة أشجار البن إلى زراعة أشجار الكوكا التي كانت تدر دخلا مضاعفا، حتى أن الأرقام تشير إلى انه خلال تلك السنوات كان استثمار دولار واحد في زراعة الكوكايين يدر عائدا يصل خمسمائة دولار(!). ثم بدأت تنتشر بعد ذلك عمليات تحضير الهيروين معمليا في جبالها الصعبة ولم يقتصر عملها على تحويل أوراق أشجار الكوكا الكولومبية المحلية إلى مادة مخدرة جاهزة للتصدير فقط، بل بدأت تجتذب ناتج أوراق الكوكا المزروعة في كل من البيرو وبوليفيا، وإقامة هذه المعامل أدى إلى زيادة نشاط صناعي جديد يتمثل في إنتاج مولدات الكهرباء الصغيرة التي تحتاجها تلك المعامل في إنتاج الطاقة المطلوبة لتلك المصانع المتنقلة، وتساعدها على حرية الحركة هربا من مطاردات الجيش والبوليس، على اثر ذلك بدأت تنتشر مظاهر الثراء الفاحش بين طبقات جديدة في المجتمع انتهت في النهاية إلى احتلال قمة الهرم الاجتماعي بعد أن تم القضاء على الطبقة المتوسطة المنتجة الحقيقية في البلاد. الاستثمار في مجال تصنيع المخدرات في كولومبيا اجتذب ما يزيد على المليون مواطن كانوا يعملون في تلك المعامل السرية والمتنقلة خلال فترة السبعينيات التي كانت العصر الذهبي لتلك الصناعة الجديدة التي جعلت كل المواطنين تحت رحمة كبار تجار المخدرات الذين كونوا جيوشا من البشر لحماية معاملهم، واقتنوا أساطيل السفن والطائرات، بل والغواصات لنقل منتجاتهم إلى أسواقها الطبيعية في الولايات المتحدة. هذا الثراء غير الطبيعي والمفاجئ الذي شارك في تنميته الشعب والحكومة خلق ثقافة اجتماعية جديدة العنف أبرز مظاهرها، حتى يتم إسكات كل الأصوات الواعية التي حاولت التنبيه إلى خطورة هذا التحول الاقتصادي الغريب وآثاره الاجتماعية مستقبلا. ثم تبع ذلك مظاهر عنف أخرى نشأت عن تنافس كبار تجار المخدرات على فرض سيطرتهم كل على مناطق الآخر بحثا عن احتكار أكبر وأوسع لتلك التجارة، لكن جاور هذا العنف ثقافة أخرى لا تقل سلبية تحاول التخفيف من مظاهره المدمرة بتحول بعض كبار تجار المخدرات إلى ما يشبه «روبن هود»، فقامت جمعيات اجتماعية تبني المستشفيات وتقدم خدماتها ومساعداتها الاجتماعية للطبقة التي لم تستطع الاستفادة من تلك الثروة المفاجئة، وكان الهدف الأول من هذا النشاط الممول من كبار تجار المخدرات هو تحييد المواطنين تجاههم، وكذلك شراء الأصوات الانتخابية وتحويل الحياة السياسية في البلاد إلى مجرد مؤسسات تقوم على خدمة هؤلاء التجار. الحصاد المر عندما نشأت حركة جيش تحرير كولومبيا الماركسية خلال الخمسينيات من القرن العشرين كان شعارها الدفاع عن الفلاحين العزل من تجبر الإقطاع وأطلقت على نفسها اسم «جماعات الدفاع عن النفس»، ثم تحولت إلى شعار القضاء على الفوارق الطبقية وتوزيع الثروة على جميع طبقات المجتمع، وكان عدوها الأول تجار المخدرات، ولكن سرعان ما وجدت تلك الحركة نفسها متعاونة مع تجار المخدرات من خلال تحصيل «جزية» مفروضة مقابل تركهم يعملون في هدوء وتم توجيه تلك الأموال للصرف على أفراد الجماعة الثورية وتسليحها. ثم نشأت بعد ذلك جماعات يسارية أخرى منشقة عن الجماعة الأولى لاختلاف في التوجهات وخلاف على التكتيك. على هامش العنف اليساري الموجه ضد النظام السياسي والاجتماعي في البلاد، وتحت ضغط مطالب الجماعات الثورية بفرض إتاوات على تجار الأراضي والإقطاعيين قام هؤلاء بإنشاء جماعات مسلحة لمواجهة العنف اليساري، بل أن الجيش العاجز عن السيطرة على مناطق شاسعة في الوطن قام بتدريب وتسليح جماعات يمينية لقتال الجماعات اليسارية، ثم دخلت واشنطن على الخط بدعم تلك الجماعات اليمينية بالتمويل والتسليح تحت شعار مواجهة ما أسموه بالخطر «الشيوعي». كولومبيا اليوم تعيش حالة غريبة، فلا الدولة دولة ولا المجتمع مجتمعا، هناك حالة من العنف الشامل التي لا تجعل المواطن يأمن على نفسه لا في المدن ولا في القرى، راكبا أو سائرا على قدمين أو على دراجة عادية أو نارية، الكل معرض للخطر في أي وقت أو أي مكان، وتحول الخطف وفرض الفدية إلى عمل يومي ومقبول ويتم تحت أنظار الجميع. نتيجة هذا الوضع ظهرت حالة ما يسمونه أطفال الشوارع الذي يولدون وينمون ويعيشون ويموتون في الشوارع دون أن يظللهم أي سقف من الميلاد إلى الممات، يضاف إليهم ما يزيد على أربعة ملايين ونصف المليون طفل لا يعرفون طريقا إلى مدرسة أو مستشفى، والبطالة تضرب ما يزيد على خمسة وعشرين بالمائة من مجموع الأيدي العاملة، في مجتمع يعيش أكثر من ستين بالمائة من أفراده تحت حد الفقر المعترف به دوليا، وما يزيد على المليون من الفلاحين لا يجدون أرضا يفلحونها بعد أن سيطرت زراعات المخدرات الإقطاعية على غيرها من المحاصيل الزراعية، والمخرج الوحيد لهؤلاء إما الانضمام إلى ميليشيات تجار المخدرات، أو الجماعات المسلحة يسارية كانت أو يمينية. هذا هو المجتمع الذي ينتظر من الرئيس المنتخب أن يفعل شيئا يعرف الجميع انه يحتاج إلى ما يشبه المعجزة لحل بعض مشاكله، بل أن برنامجه الانتخابي الطموح وضعه في موقف صعب تجاه الجميع، والكل يريد رأسه قبل أن يتحرك لوضع أي بند من بنود برنامجه الانتخابي موضع التنفيذ على الرغم من استحالة ذلك، انه رئيس منتخب، نجح في الحصول على أغلبية ساحقة للفوز بالمنصب، ولكنه مرشح للاغتيال أيضا ولا يضمن أحد فوزه بالنجاة كما فاز بمنصب رئاسة الدولة. ـ كاتب مصري مقيم في أسبانيا