نشرت دائرة الصحة والخدمات الطبية بمدينة دبي مؤخراً خبراً له دلالات مهمة، ومضامين انسانية عميقة، كما انه يمثل مؤشراً على تنامي الوعي بدور الجانب النفسي، في التخفيف من حالة الشعور بالالم او في مضاعفة ذلك الشعور، لدى القائمين على الدائرة الصحية بالامارة. الامر الذي يحمل المزيد من اللمسات الحضارية في مجال الخدمة الطبية الذي لن تتوفر له الكفاءة والجودة ما لم يكن جانب العناية بمشاعر الناس والاهتمام بآرائهم وملاحظاتهم حاضراً في الأداء اليومي للاطباء والاداريين، وعموم العاملين في هذه المهنة الانسانية العظيمة. الاعلان الذي نشر في الصحيفة جاء جديداً لا من حيث المفردات الغنية بالمعاني الانسانية فحسب، وانما من حيث المضمون ايضا. فقد جرت العادة ان تنشر أغلب الدوائر الرسمية اعلانا عن وظائف شاغرة دون ان تبدي تلك الدوائر حاجتها الى مزيد من اخصائيي الابتسامة كما جاء في الاعلان الذي بين ايدينا. ولقد جاءت الصياغة للفكرة الخلاقة التي يروج لها القائمون على الدائرة الطبية غاية في الاناقة وتحمل بعداً ملحوظاً نحو تحقيق تواصل نوعي بينها وبين الجمهور المستفيد من الخدمة الطبية. كلمات الدعوة الى المشاركة في هذا المشروع المتميز جاءت على النحو التالي: «دائرة الصحة والخدمات الطبية بحاجة لمزيد من اخصائيي الابتسامة. تدعو الدائرة من يمتلكون ميزة حسن الاستماع الى شكوى وهموم من تقابل كلماته بالصد واللامبالاة. اولئك القادرون على تشخيص ومعالجة الاسباب التي تعوق حصول المرضى وعائلاتهم على الرعاية الصحية اللازمة والسريعة من قبل طواقمنا الطبية والادارية» وبعد ذكر المؤهلات العلمية المطلوبة ذيّلت الدعوة بالعبارة التالية: «واذا كنت تتعامل مع كافة الحالات الانسانية ولديك القدرة على تذليل المعوقات، وإدخال الراحة الى نفوس مرضانا، وعائلاتهم فنحن نريدك ان تكون احد اعضاء فريقنا المتميز من أخصائيي الابتسامة». هكذا تكون النقلة النوعية باتجاه الافضل، وهكذا يكون الشعور المرهف بالمسئولية الشديدة تجاه المهمات والتكاليف التي يرتبط بها مصير الكثيرين ممن يدخلون في قائمة المرضى او المراجعين للدوائر الصحية. وقد تمنيت صدقا ان لا تفوت مثل هذه الدعوة على كافة المسئولين في دوائر العمل الطبي بالدولة. وان لا تكون هذه الخطوة مقتصرة على منطقة دبي الطبية التي عودتنا على ان تفي بالتزاماتها للجمهور، خصوصاً حين يكتشف المسئولون عنها خللا جليا لا يمكن السكوت عنه او الاغضاء عن الجهة التي تسببت في وقوعه. الذي نأمله جميعا ان تكون هناك محاولات تقليد لهذه الخطوة المطلوبة، والتقليد في العمل الذي يخدم الناس هو شيء ينتظره الجميع حيث ان الالتقاء مع مصالح الجمهور، والتقاطع في دائرة مشتركة تجمع بين المنشغلين بالمهنة الطبية وبين المستفيدين من الخدمة نحو هدف واحد هو التخفيف عن آلام المرضى، والشعور بمعاناتهم، وبأن امرهم يحظى بالاهتمام والعناية بهم كأناس لهم متطلباتهم الحيوية التي تتجاوز وصفة الدواء بعد اللقاء العابر بالطبيب المختص، وهو لقاء ظلّ لسنوات عديدة، لا يتجاوز الاسئلة المقتضبة التي لا تسمح الا لردود قصيرة مجتزأة من شكوى المريض، يصاحبها حالة من التجهم والعبوس وكأن المريض ارتكب اثما حين حمل نفسه وجلس على الكرسي المواجه للطبيب في موقف يستدعي من الاخير ان يبذل جهداً خاصاً به بعد ان مثل بين يديه، واقتضت الضرورة ان يكون في موقف من يطلب العون والمساعدة. وحتى لا نقع في المبالغة او التجني على احد، فليس كل الاطباء على هذه الشاكلة، اذ ان لدينا نماذج يحتذى بها، ويؤدي اصحابها مهمتهم على اكمل وجه. ولكن ـ مع الاسف الشديد ـ فان هناك حالات اخرى لمن سئموا من مهنة الطب او هكذا يبدو حالهم حين ترى احدهم يتململ على كرسيّه ويكثر النظر في ساعته، ولا يعطي مرضاه من الوقت الا الشيء المحدود والذي لا يكاد يبرهن للمريض على ان طبيبه يعتني به العناية التي يريد. ان هذه المعاملة السطحية الباردة تعجز عن تكوين عنصر الثقة في العلاقة التي تجمع بين المعالج «بكسر اللاّم» والمعالج «بفتح اللاّم» والذي نعلمه جميعاً ان عنصر الثقة من الطبيب يأتي في المقام الاول من العلاج، واذا انعدم عنصر الثقة بين الطرفين فان العلاج لن يكون مجديا او ممكنا. الحل اذن لعلاج الثغرة المهنية في هذا الجانب المهم هو في تلك الخطوة الذكية التي بدأتها دائرة دبي الطبية، والذي ننتظر ان تجد لها صدى يتناسب مع الدور الذي ستلعبه في الايام المقبلة.