صحيح ان لو تفتح عمل الشيطان، لكنها احيانا تستخدم كأداة لاعادة قراءة التاريخ، وصياغة سيناريوهات افتراضية مغايرة للمجرى الواقعي لاحداث فترة معينة، كطريقة للتدليل على صحة نظرية او لاعادة اثبات ضرورة تحول تاريخي معين من عدمه. واستخدام «لو» التعجيزية في اعادة كتابة وتفسير احداث تاريخية كبرى، شاع بين العديد من فلاسفة التاريخ المعاصرين، وفي مقدمتهم الاميركي سدني هوك صاحب كتاب «البطل التاريخي». واحيانا نجد انفسنا في وضع اضطراري للجوء الى «لو» الشيطانية لاعادة اثبات حقائق يتعمد البعض انكارها مثلما ينكر من به عمى سطوع الشمس، وهو حال يلازم كثيرين ـ للاسف ـ من خصوم ثورة 23 يوليو 1952، وزعيمها جمال عبدالناصر انطلاقا من احقاد وثارات شخصية احيانا او تحت اسر رؤى ثبت فشلها، او مواقف تجاوزها الحاضر. ورغم مرور خمسين عاما من عمر الثورة رحلت خلالها اجيال، وظهرت اجيال، وشنت خلالها حملات عنيفة منظمة لاغتيال شخصية عبدالناصر معنويا ودفع الملايين من العرب الذين تعلقوا به حيا الى اهالة التراب عليه ميتا رغم كل ذلك مازال عبدالناصر يشكل حضورا وتحديا لكل الطامعين في اشاعة الخمول والاستكانة بين العرب، فهو رمز يلهم كثيرين الرغبة في التحدي والاستشهاد من اجل تحقيق حلم عربي يعيد للوطن وحدته. وبعد خمسين عاما وهو عمر الكهولة، والنضج والحكمة ليس مطلوبا اعادة التغني بأناشيد ثورة يوليو و«احلف بسماها وبترابها» او «على بستان الاشتراكية» رغم انها لم تفقد قيمتها بل المطلوب اعادة قراءة حدث الثورة العربية التي شكلت نقطة انطلاق لكل حركات التحرر العربي وانجحت شعارها «على الاستعمار ان يحمل عصاه ويرحل» مع ان اشكالا اشد وانكل للاستعمار عادت في عصر العولمة مثل الوباء الذي يحصد كل ثمار الوطن. ويبدو ان قيمة «لو» الشيطانية تتحقق في مجال رسم سيناريو لمصر والوطن العربي، لو ان ثورة يوليو فشلت او لم تقم اصلا وان عبدالناصر لم يكتب له قيادة تلك الثورة وآلت القيادة لشخص آخر محسوب على الكتلة الشيوعية مثلا، او على الولايات المتحدة الاميركية. بالتأكيد السيناريوهات ستفتح لنا وامامنا ابواب جحيم مغلقة، ففي كل الحالات كان مصير مصر او الوطن العربي بالتبعية، تأسيسا على ما جرى لبلدان دارت في فلك احد القطبين سيكون مأساويا. وهذا لا يعني بالطبع اثبات المنطق المخالف وهو انه ليس في الامكان ابدع مما كان بل على العكس تماما يحرضنا معرفيا على ان نحدد اماكن الخطأ ومكامن الحقيقة حتى لا نكرر خطأ من سبقنا ولا نفوت فرصة للتقدم وفوق كل شيء نعي التاريخ من اجل اللحاق بالمستقبل وهذا هو درس عبدالناصر الذي يجب الا يفوتنا.