«الطيب»: قرأت كثيرا عن أبي الطيب المتنبي شاعري الذي ألفته حتى احتفظت له في كل مكان لي بديوان اقلبه بين الحين والآخر، وانا في كل مرة اقلبه فيها وكأني اقرأه لاول مرة وذلك مما يؤيد تسمية ابي العلاء للكتاب الذي شرح فيه ديوان ابي الطيب المتنبي فسماه معجز احمد يعني احمد بن الحسين وهو اسم المتنبي الصريح. اقول قرأت كثيرا عن تسمية ابي الطيب بالمتنبي والتي اختلف فيها اهل الادب على رأيين انا مع الثاني منهما وذلك من حبي لابي الطيب. فالأول يقول انما سمي ابو الطيب بذلك لادعائه النبوة في بادية السماوة من ارض العراق والثاني يقول انما سمي بذلك لقوله: وما مقامي بأرض نخلة إلا كمقام المسيح بين اليهود ولقوله في القصيدة ذاتها في آخرها: أنا من أمة تداركها الله غريب كصالح في ثمود بالاضافة الى علو شأن شعره وقوته وغلبته على اقرانه من الشعراء في ذلك الزمان. أعود وأقول اني قرأت كثيرا عن تسمية ابي الطيب وتلقيبه بالمتنبي ولكنني لم اقرأ ابدا عن تكنيته بأبي الطيب ومن الذي اطلقها عليه فاسمه الحقيقي احمد بن الحسين، ومن حسن حظ وطالع المتنبي تسميته بأبي الطيب، هذا الاسم الذي لعله محى اثر ما يوحيه لقب المتنبي وما فيه من ادعاء باطل مما يثير عليه حفيظة الناس. فتكنية المتنبي بأبي الطيب امر مما يعجب له لانه من المعروف ان الرجل يكنى بابنه خاصة اذا كان له ابن واحد وكأبي الطيب الذي لم يعرف له الا ابن واحد يسمى «المحسّد»، والعجيب انه لا يعرف بأبي المحسد بل يعرف بأبي الطيب، وهو اسم جميل غلب على كنيته بأبي المحسد بل تقدم على لقبه المتنبي فكان من حسن حظ المتنبي. فتكنية المتنبي بـ «أبي الطيب» أزعم انها جعلت له قبولا في كل نفس تعشق الشعر وهي كنية لما لمعناها من طيب ورقة. من تلك «الكنى» التي تؤثر في النفس تأثيرا يمهد لقبول شعر المتنبي ومطالعته. ولقد اجتمع لابي الطيب الى كنيته تلك عدة اسباب لم تجتمع لسواه من الشعراء ابدا حتى جعلت منه حالة خاصة من حالات الشعراء تلفت اليها الانظار والاسماع والارواح واعدد من ذلك ما يلي: ان وصف ابي الطيب بالنبوءة وعدم دفعه لذلك عن نفسه من الامور التي جعلت منه ظاهرة فريدة مرموقة في تاريخ الشعر العربي فهو الشاعر الوحيد الذي حمل اسمه «النبوة» التي دافع الرحمن في كتابه العزيز عنها وعن ارتباطها بالشعر فقال «وما علمناه الشعر وما ينبغي له» وذلك عن رسول هذه الامة عليه الصلاة والسلام. وبذلك نفى الرحمن الرحيم في كتابه العزيز ان تكون هناك علاقة للنبوة بالشعر. سيف الدولة وكان لارتباط ابي الطيب بأمير حلب سيف الدولة الحمداني اثر كبير في انتشار شعره وذيوعه لسمو قدر سيف الدولة بين غيره من الامراء لكثرة قتاله وغزوه لاعداء الامة من الروم في ذلك الحين. الحكمة وان مما يؤثر للمتنبي ويذكر ويرفع من شأنه تلك الحكمة البالغة التي تملأ شعره والتي سار اغلبها في الناس امثالا لا تغيب عن ذاكرة كل محب للشعر ولا تكاد تغيب عن كل واقعة من وقائع الدهر واحداثه فانه بامكان كل انسان ان يذكر للمتنبي بيتا يتلاءم مع حادثة من حوادث ايامه ودهره ولقد عرف المتنبي ذاته ذلك الامر فقال «انا وابو تمام حكيمان والشاعر البحتري» وان كنت اخالف المتنبي في ذلك واقول انك يا ابا الطيب شاعر حكيم وحكيم حيث اثبتت السنون الطوال انك أشعر وأحكم ممن جاء قبلك ومعك واتعبت من جاء بعدك. الشجاعة الادبية ان مما يلفت النظر الى شعر ابي الطيب المتنبي بل الى شخصه هي تلك النبرة المميزة والتي تقول لك من قرأ شعره انه ذو شخصية شجاعة جريئة في مواقف ما عهد فيها لكثير من الشعراء شجاعة وهي جرأته في حضرة الملوك والامراء وظهور شخصيته بل وطغيانها في احيان كثيرة على شخصيات الامراء. ولك ان تقرأ مما يبين فيه ذلك قوله وهو يمدح احد رجال زمانه: ضاق ذرعا بأن اضيق به ذرعا زماني واستكرمتني الكرام واقفا تحت اخمصي قدر نفسي واقفا تحت أخمصي الانام فأي شاعر هذا اذا اراد ان يمدح اميرا قدم لذلك بأن الانام جميعا واقفون تحت اخمصيه اي باطن قدميه انه لاشك ابو الطيب المتنبي لا غير. وداع ولو شئت ان اعدد من مثل ذلك الذي ينم عن شجاعة ابي الطيب في حضرة ممدوحيه لعجزت ويروق لي ان اختم هذه الاسطر بشيء من شعره الذي فيه من حرقة الوداع ما فيه فقال وهو يودع «الحمول» الهوادج الذاهبة بأحبابه. لما تقطعت الحمول تقطعت نفسي أسى وكأنهن طلوح وجلا الوداع من الحبيب محاسنا حسن العزاء وقد جبلن قبيح فيد مسلمة وطرف شاخص وحسن يذوب ومدمع مسفوح يجد الحمام ولو كوجدي لانبرى شجر الاراك مع الحمام ينوح وتلك لوحة درامية يرسمها ابو الطيب لنا كلما قرأتها اشتهيت وداعا لاحبابي كوداع المتنبي لاحبابه.